أزمة البطالة في لبنان كما يراها رئيس “لابورا”: بطالة مقنّعة وانهيار اجتماعي

نُشرت المقابلة في صحيفة نداء الوطن، ضمن تغطيتها للملفات الاقتصادية والاجتماعية في لبنان، وهي مقابلة تحليلية مع رئيس مؤسسة «لابورا» الأب طوني خضره، تناول فيها واقع البطالة في لبنان من زاوية تتجاوز الأرقام المتداولة إلى البنية العميقة للأزمة.

يقدّم الأب طوني خضره في حديثه لـ«نداء الوطن» تشخيصًا صارمًا لأزمة البطالة في لبنان، معتبرًا أن الأرقام المعلنة لا تعكس الحجم الحقيقي للمشكلة، بل تخفي واقعًا أكثر خطورة وتعقيدًا. فبحسب تقديراته، تبلغ البطالة الفعلية في لبنان نحو 38%، وهي نسبة مرتفعة اجتماعيًا واقتصاديًا، في حين تصل بطالة الشباب إلى ما يقارب 53%، ما يعني أن أكثر من نصف الفئة الشابة خارج سوق العمل المنظّم.

ويشدّد خضره على أن غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة لا ينفي خطورة المؤشرات الميدانية التي ترسم صورة قاتمة لسوق العمل.

ويذهب خضره أبعد من البطالة الظاهرة، ليؤكد أن البطالة المقنّعة تمثّل الجزء الأكبر من الأزمة. فشريحة واسعة من اللبنانيين لا تُحتسب عاطلة عن العمل رغم افتقارها إلى وظائف ثابتة أو مداخيل منتظمة، إذ تعمل في الاقتصاد غير الرسمي، أو في أعمال موسمية ومؤقتة، أو في ما يُعرف بالتجارة الحرّة، وهي أنشطة لا توفّر استقرارًا معيشيًا ولا تشكّل وظائف حقيقية.

من هنا، يرى أن أي احتساب دقيق للبطالة الفعلية سيُظهر أرقامًا أعلى بكثير من تلك المتداولة رسميًا.وفي تحليله لتداعيات الانهيار الاقتصادي، يوضح خضره أن الأزمة المالية ضربت سوق العمل في صميمه. فقد أُغلقت مؤسسات عديدة أو قلّصت عمالتها، فيما سُمح لعدد كبير من عناصر القوى الأمنية بالعمل خارج وظائفهم الأساسية بسبب تدني الرواتب، ما أدخلهم في منافسة مباشرة مع اليد العاملة المدنية على فرص محدودة أصلًا.

هذا الواقع، برأيه، عمّق الاختلال في سوق العمل وزاد حدّة البطالة عامًا بعد عام بدل أن يخفّفها.

ويستند خضره إلى أرقام لافتة تتعلّق بالخريجين الجامعيين، إذ يشير إلى أن نحو 43 ألف طالب تخرّجوا في عام واحد، في حين لم يتمكّن سوق العمل من استيعاب أكثر من 4 آلاف فقط، ما يعني دخول حوالى 39 ألف شاب وشابة إلى صفوف البطالة. ويبيّن أن عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل ارتفع من نحو 36 ألف خريج عام 2014 إلى ما بين 39 و43 ألفًا في السنوات الأخيرة، من دون أن يقابله أي توسّع فعلي في فرص العمل، ما خلق فجوة متراكمة بين العرض والطلب.

أما في ما يخصّ بطالة الشباب، فيربط خضره تفاقمها بعدة عوامل متداخلة، أبرزها لجوء عدد متزايد من العاملين إلى شغل أكثر من وظيفة لتأمين الحد الأدنى من العيش، ما يحرم الشباب من فرص محتملة، إضافة إلى تدني الرواتب وعجزها عن تأمين حياة كريمة أو تشجيع الاستقرار الأسري. كما يلفت إلى أن الهجرة الواسعة للشباب، خصوصًا من أصحاب الكفاءات، تُفرغ السوق المحلية من طاقاتها المنتجة وتُبقي خلفها فئات أقل قدرة على الاندماج في سوق العمل.

وفي تقييمه لدور الشهادات الجامعية، يقرّ خضره بأن الشهادة لم تعد وحدها كافية لدخول سوق العمل، في ظل انكماش الاقتصاد وعدم مواءمة العديد من الاختصاصات الجامعية مع حاجات السوق الفعلية. لذلك، يدعو إلى سياسات استراتيجية تربط التعليم الجامعي بالطلب الحقيقي على المهارات، وتوسّع قاعدة الفرص المهنية بدل الاكتفاء بتخريج أعداد متزايدة من حملة الشهادات.

ولا يغفل خضره البعد الاجتماعي للأزمة، معتبرًا أن البطالة في لبنان تحوّلت إلى تهديد مباشر للسلم الاجتماعي والأمني. فهي لا تضرب فقط القدرة المعيشية، بل تسهم في تفكك العائلات، وتفاقم الفقر، وارتفاع منسوب العنف وحالات الانتحار، في ظل غياب دور الطبقة الوسطى التي كانت تاريخيًا صمام أمان اجتماعي.

ويخلص إلى أن غياب الاستقرار المالي والنفسي الناتج عن البطالة يؤثر بعمق في الصحة النفسية والجسدية للأفراد وفي تماسك المجتمع ككل.

ويختتم خضره بالتأكيد أن أزمة البطالة في لبنان ليست مسألة اقتصادية تقنية، بل قضية وجودية يجب أن تكون أولوية قصوى للدولة ومجلس النواب والمجتمع. فالتجارب الدولية، كما يشير، تثبت أن خفض البطالة هو المدخل الأساسي للاستقرار، محذّرًا من أن استمرار تجاهل هذا الملف يفتح الباب أمام مزيد من الفوضى الاجتماعية والانهيار البنيوي.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn