تواجه منظمة التعليم العالي في قطاع غزة تحديات وجودية غير مسبوقة في ظل الدمار الشامل الذي طال البنية التحتية التعليمية والأكاديمية، حيث تشير التقارير إلى استهداف ممنهج للمرافق الجامعية والعقول العلمية التي تشكل عماد المجتمع الفلسطيني، وقد أدى هذا الوضع إلى توقف المسيرة التعليمية لعشرات الآلاف من الطلبة وفقدان القطاع لنخبة من أساتذة الجامعات والباحثين، مما يهدد بإحداث فجوة معرفية وتنموية يصعب تعويضها على المدى القريب، خاصة مع خروج معظم الجامعات عن الخدمة بشكل كامل نتيجة القصف المباشر الذي لم يستثنِ المختبرات أو المكتبات التاريخية.
يعيش الأكاديميون في غزة ظروفاً قاسية تتجاوز فقدان أماكن عملهم لتصل إلى التهديد المباشر لحياتهم وحياة عائلاتهم، فالباحث الذي كان يقضي وقته في إعداد المحاضرات وتطوير المناهج وجد نفسه فجأة يبحث عن مقومات الحياة الأساسية من ماء وغذاء ومأوى، ورغم هذه المأساة يبرز إصرار لافت من الكوادر التعليمية على استمرار الرسالة بأي وسيلة ممكنة، حيث يحاول البعض تقديم دروس تعليمية في خيام النزوح أو عبر المنصات الرقمية رغم انقطاع التيار الكهربائي وضعف شبكات الإنترنت، مما يعكس تمسكاً عميقاً بالعلم كوسيلة للمقاومة والبقاء والحفاظ على الهوية الوطنية.
إن استهداف المنظومة التعليمية فيما يصفه البعض بظاهرة إبادة التعليم يهدف بشكل أساسي إلى تجهيل المجتمع وتدمير قدرته على النهوض مستقبلاً، فالجامعات ليست مجرد مبانٍ بل هي مراكز لإنتاج الفكر والقيادة، وغيابها يعني تعطيل عجلة التنمية المستدامة، ويتطلب الواقع الحالي تكاتفاً دولياً ليس فقط لإدانة هذا التدمير بل للعمل الجاد على توفير بدائل تعليمية فورية ودعم الأكاديميين النازحين لضمان استمرارية العملية التعليمية، فالاستثمار في عقول شباب غزة هو الضمان الوحيد لإعادة إعمار ما دمرته الحرب وبناء مستقبل تسوده العدالة والحرية.



