نُشر المقال في موقع الجزيرة الوثائقية، حيث يعيد قراءة نظريات ابن خلدون حول تعلم اللغة وإتقانها، مستعرضاً كيف سبق المفكر التونسي علماء اللسانيات المعاصرين في فهم العلاقة بين السمع والممارسة كأساس لبناء الكفاءة اللغوية، قبل ستة قرون من نشوء علم اللغة الحديث.
ينطلق المقال من تساؤل بسيط وعميق: ما الذي يجعل بعض الناس يتقنون لغة ما بسهولة بينما يعاني آخرون رغم سنوات الدراسة؟ الجواب، كما يقدمه ابن خلدون في المقدمة، يكمن في أن اللغة عادة لا تُكتسب بالقواعد بل بالممارسة والاحتكاك والسمع المتكرر. فالإنسان — بحسب نظرية ابن خلدون — يتشرب اللغة كما يتشرب الطفل لسان أمه، من خلال البيئة السمعية التي يعيش فيها، لا من خلال الحفظ النظري أو التلقين.
ويستعرض المقال كيف وضع ابن خلدون أسس نظرية كاملة في اكتساب اللغات، إذ اعتبر أن اللغة ملكة تُكتسب بالاعتياد، وأن تعلمها يتطلب المرور بمراحل تبدأ بالاستماع والفهم قبل النطق، لأن السمع هو الباب الذي يدخل منه الكلام إلى النفس. ويشير إلى أن هذه الفكرة تشبه ما يقرره علماء اللسانيات اليوم حين يؤكدون أن المهارات الأربع للغة — السمع، الكلام، القراءة، والكتابة — يجب أن تُبنى تدريجياً بهذا الترتيب الطبيعي.
كما يربط المقال بين رؤية ابن خلدون والطرق الحديثة في تدريس اللغات مثل “التعلم التواصلي” و“التعليم الغامر”، التي تركز على التجربة العملية والمحادثة اليومية أكثر من القواعد النظرية. فالممارسة اليومية في بيئة ناطقة، حتى مع الأخطاء، أقرب إلى جوهر ما دعا إليه ابن خلدون حين قال إن “الملكة لا تحصل إلا بمزاولة الكلام ومخالطة أهله”.
يبرز المقال أيضاً نظرة ابن خلدون المتقدمة للغة بوصفها مرآة للعمران البشري، فإتقان اللغات لا ينفصل عن التحضر والتفاعل الثقافي. فحين تتراجع الأمم في عمرانها تضعف لغتها، وحين تزدهر الحضارات، تزدهر ألسنتها وأدبها. وهنا يلمّح المقال إلى أن إتقان اللغات ليس مجرد مهارة، بل مؤشر حضاري يعكس وعي الأمة بذاتها وانفتاحها على الآخرين.
ويختتم المقال بدعوة معاصرة إلى إعادة الاعتبار لطريقة “التعلم بالسمع والممارسة” في مناهجنا الحديثة، خصوصاً في عالم يتسارع فيه التواصل عبر اللغات المختلفة. فبينما تميل المدارس اليوم إلى الحشو القواعدي، تذكّرنا حكمة ابن خلدون بأن اللغة تُتَعلَّم بالعيش فيها، لا بدراستها فقط. وهكذا يظهر أن سرّ إتقان اللغات الذي صاغه قبل ستة قرون ما زال حيًّا في أبحاث التربية الحديثة، من علم النفس التربوي إلى تقنيات التعلم التفاعلي والذكاء الاصطناعي.



