نُشر هذا المقال في BBC News عربي، ويتناول بطرح تحليلي معمّق التحول البنيوي الذي أصاب منصات التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها فيسبوك، من مساحات واعدة بالتواصل والمعرفة إلى فضاءات رقمية طاردة، فوضوية، ومثقلة بالمحتوى الرديء، ضمن ما يسميه المقال الانحطاط الممنهج للإنترنت.
ينطلق المقال من تجربة شخصية مشتركة لدى ملايين المستخدمين، مفادها أن استخدام فيسبوك لم يعد يشبه ما كان عليه سابقاً. الصفحة الرئيسية باتت مزدحمة باقتراحات غير ذات صلة، محتوى مدفوع أو استفزازي، وتراجع واضح في حضور منشورات الأصدقاء.
هذا الإحساس لا يقتصر على جيل بعينه، بل يشمل المستخدمين القدامى الذين شهدوا تحوّل المنصة تدريجياً، كما يشمل أجيالاً أحدث تنظر إلى فيسبوك بوصفه منصة متقادمة فقدت جاذبيتها.
غير أن المقال يرفض تفسير هذا التدهور على أنه مجرد خلل تقني أو سوء تصميم، ويقترح بدلاً من ذلك قراءة أعمق ترى في هذا المسار نتيجة مقصودة ومنهجية.
يعتمد المقال على مفهوم صاغه الكاتب وناقد التكنولوجيا كوري دوكتورو، هو الانحطاط الممنهج للإنترنت، لوصف المسار الذي تسلكه المنصات الرقمية تحت ضغط الربح. وفق هذا المفهوم، تمر المنصات بثلاث مراحل: تبدأ أولاً بخدمة المستخدمين عبر تجربة جذابة ومحدودة الإعلانات، ثم تنتقل إلى خدمة المعلنين والناشرين على حساب المستخدم، قبل أن تنتهي إلى مرحلة ثالثة تُستنزف فيها جميع الأطراف، بعد أن يصبح الخروج من المنصة مكلفاً اجتماعياً ونفسياً.
في هذه المرحلة، لا تعود الجودة شرطاً للبقاء، بل القدرة على الاحتجاز.
يُقدَّم فيسبوك بوصفه الحالة النموذجية لهذا المسار. فقد انطلق كمنصة تَعِد بالخصوصية وسهولة التواصل، واستثمر في بناء الثقة وجذب المستخدمين. لكن مع تضخم قاعدة المستخدمين، بدأ التحول نحو خوارزميات تعطي الأولوية للتفاعل بغض النظر عن القيمة، وصولاً إلى فضائح كبرى مثل “كامبريدج أناليتيكا” التي كشفت الاستخدام السياسي الواسع للبيانات.
لاحقاً، لم يقتصر التدهور على المستخدمين، بل شمل المعلنين وصنّاع المحتوى، مع ارتفاع الكلفة وتقلّب القواعد، فيما استمرت المنصة في تعظيم أرباحها.يوسّع المقال الإطار ليؤكد أن الانحطاط الممنهج للإنترنت ليس ظاهرة خاصة بفيسبوك، بل منطقاً عاماً يتكرر في منصات أخرى مثل أمازون، وآبل، وتويتر (إكس).
في كل حالة، تختلف أدوات الاحتجاز، لكنها تؤدي النتيجة نفسها: تآكل القيمة مقابل ترسخ السيطرة. ويرفض المقال التفسيرات السطحية للتدهور المتزامن، مثل تغيّر الإدارة أو الظروف الاقتصادية العابرة، معتبراً أن السبب الجوهري هو تآكل القيود التي كانت تمنع هذا الانحطاط، مثل المنافسة الحقيقية، والتنظيم القانوني، وقوة المستخدمين والعاملين في القطاع.
ويجيب المقال عن سؤال محوري: لماذا لا تموت هذه المنصات رغم رداءة التجربة؟ الجواب يكمن في طبيعتها كبنى تحتية رقمية لا كسلع عادية. فهي تحتجز المستخدمين عبر الشبكات الاجتماعية، والذاكرة الرقمية، واعتماد المؤسسات والإعلام عليها، ما يجعل مغادرتها مكلفة، حتى في ظل الاستياء العام.
وهكذا، تستمر هذه المنصات لا لأنها ناجحة بالمعنى القيمي، بل لأنها متجذّرة بنيوياً في الحياة اليومية.
في خاتمته، يرفض المقال حتمية الانحطاط الممنهج للإنترنت، ويدعو إلى مقاومته عبر استعادة أدوات الردع: قوانين أقوى، منافسة حقيقية، قابلية فك الارتباط التقني، وضغط جماعي من المستخدمين والعاملين. فالإنترنت، رغم تدهوره، ما زال ساحة مركزية للصراع الاجتماعي والسياسي، ومصيره ليس قدراً محتوماً بل خياراً يمكن تغييره.



