التعليم بين الإنسان والآلة: حدود الإلهام وحدود البرمجة. استعراض مقال عبير درويش

نُشر المقال على موقع «إيست نيوز»، وتناولت فيه الكاتبة عبير درويش سؤالاً فكريًا محوريًا حول مستقبل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي: هل يمكن للآلة أن تحلّ مكان الإنسان، وبالتحديد الأستاذ والمعلم، أم أنّها ستبقى أداة مساعدة وشريكًا معرفيًا لا بديلًا عنه؟يستند التحقيق إلى حوار مع كلٍّ من الدكتورة فيولا مخزوم، أستاذة في الجامعة الإسلامية ومديرة المركز الديمقراطي العربي في لبنان، والدكتور ربيع مخلوف، الباحث في الإدارة والتنمية التنظيمية. وقد شكّلت آراؤهما لوحة فكرية متكاملة بين العلم والفلسفة والأخلاق حول علاقة الإنسان بالذكاء الاصطناعي.

ترى فيولا مخزوم أنّ الذكاء الاصطناعي هو “شريك لا بديل”، إذ إن التعليم ليس عملية نقل للمعلومات فحسب، بل تفاعل إنساني متكامل يجمع بين التوجيه النفسي، التحفيز، وبناء العلاقات. وتشير إلى أن المعلم يمتلك ما لا يمكن للآلة امتلاكه: الحدس، الحسّ الأخلاقي، والقدرة على الإلهام. فالتربية في جوهرها فعل إنساني قبل أن تكون تقنيًا. وتؤكد أن المهن القائمة على الروتين مهدّدة بالاستبدال، مثل إدخال البيانات أو التحليل الأساسي، بينما تبقى المهن الإبداعية والإنسانية – كالتدريس والطب والبحث العلمي – في مأمن نسبي.

وحول تحذيرات العالم ستيفن هوكينغ، توضح مخزوم أن ما نبّه إليه من خطر “الذكاء الاصطناعي العام” لم يتحقق بعد، إذ لا يزال الذكاء الحالي “ضيّقًا” ومتخصصًا، لكن الخطر يكمن في غياب الأطر الأخلاقية والتنظيمية التي تضبط مساره المستقبلي. فهي ترى أن الذكاء الاصطناعي قد يتفوّق في تحليل البيانات، لكنه لا يستطيع أن يحبّ أو يحلم أو يبدع، وهذه هي الفوارق الجوهرية بين وعي الإنسان وذكاء الآلة.

أما ربيع مخلوف فيؤكد أن “الأستاذ لا يُستبدل لأنه يُلهم”، مشيرًا إلى أن أثر المعلم في حياة طلابه يتجاوز المنهج إلى لحظة إنسانية قد تغيّر المصير، وهي لحظة لا تستطيع الآلة خلقها. ويستشهد بتقارير من Microsoft وMIT والمنتدى الاقتصادي العالمي، التي تحذّر من فقدان وظائف في مجالات البرمجة والمحاسبة والترجمة وخدمات الزبائن، مقابل صمود المهن الإبداعية والقيادية.

ويوافق مخلوف على تحذيرات هوكينغ، معتبرًا أننا نشهد بدايات “فقدان الوظائف وتفاقم الفجوة الاجتماعية” بفعل الذكاء الاصطناعي التوليدي. غير أنه يشدّد على أنّ الضبط الأخلاقي والتشريعي يمكن أن يمنع تحوّله إلى تهديد وجودي. ويرى أن تفوّق الآلة، إن حصل، سيكون تقنيًا لا إنسانيًا، إذ يبقى الإنسان أرقى بوعيه وأخلاقه وقدرته على المحبة والإلهام.

في الخلاصة، يجتمع رأيا مخزوم ومخلوف عند نقطة جوهرية: الإنسان أولًا، والآلة شريك لا سيد. فالذكاء الاصطناعي قد يتفوّق في السرعة والدقّة، لكنه لا يملك جوهر الإنسانية الذي يصنع التربية: القلب، الضمير، والإلهام. ما دام في القاعة أستاذ يصغي بعقله ويضيء بقلبه، ستبقى الآلة أداة على طريق المعرفة، لا بديلًا عن الإنسان الذي خلقها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn