التفوق في الطفولة خدعة كبرى: إعادة التفكير في سياسات رعاية المواهب

في هذا المقال المنشور على موقع صحيفة البيان الإماراتية، يناقش الكاتب رضا أبوالعينين نتائج دراسة علمية دولية حديثة تسعى إلى تفكيك واحدة من أكثر المسلّمات التربوية شيوعاً، وهي أن التفوق في الطفولة يشكّل مؤشراً حاسماً على النجاح الاستثنائي في مراحل لاحقة من الحياة.

ينطلق المقال من عرض نتائج دراسة قادها البروفيسور آرنه غوليش من جامعة راينلاند-بفالتس التقنية، ونُشرت في مجلة Science، واعتمدت على تحليل بيانات ضخمة شملت نحو 34,839 شخصاً من أصحاب الأداء النخبوي حول العالم، من بينهم فائزون بجوائز نوبل، وأبطال أولمبيون، ونخبة لاعبي الشطرنج، ومؤلفو الموسيقى الكلاسيكية. هذا الاتساع في العينة يمنح الدراسة وزناً علمياً خاصاً، إذ إنها لا تكتفي برصد مراحل عمرية مبكرة، بل تتبع المسارات الكاملة للإنجاز حتى ذروة العطاء.

يوضح المقال أن النتائج جاءت مناقضة للاعتقاد السائد منذ عقود، والقائم على أن اكتشاف الموهبة في سن مبكرة، ثم دفع الطفل إلى تدريب مكثف ومبكر في مجال واحد، هو الطريق الأقصر نحو التميز العالمي. على العكس من ذلك، تشير البيانات إلى أن الأطفال المتفوقين في المراحل المبكرة نادراً ما يكونون أنفسهم الذين يصلون إلى القمة لاحقاً، وأن كثيراً من أصحاب الإنجازات الكبرى لم يكونوا ضمن الفئات الأولى في أعمارهم الصغيرة.

ويبرز المقال فكرة التحسن التدريجي والبطيء نسبياً كمسار مشترك بين العديد من المنجزين عالمياً، حيث يميل هؤلاء في طفولتهم ومراهقتهم إلى استكشاف مجالات متعددة، علمية أو رياضية أو فنية، قبل أن يستقروا لاحقاً على تخصص واحد. اللافت، كما يشير الكاتب، أن هذا النمط تكرر عبر مجالات شديدة التباين في متطلباتها، من العلوم الدقيقة إلى الرياضة الاحترافية والموسيقى الكلاسيكية، ما يعزز فرضية أن آليات التطور البشري تتشابه أكثر مما يُعتقد.

ويتوسع المقال في عرض الفرضيات التفسيرية الثلاث التي طرحتها الدراسة، وأبرزها أن تنوع الخبرات في سن مبكرة يرفع احتمال عثور الفرد على المجال الأكثر توافقاً مع قدراته الحقيقية، كما يسهم في بناء مهارات تعلم أوسع وأكثر مرونة، ويحد في الوقت نفسه من مخاطر الإرهاق النفسي أو التعثر المهني المبكر، وهي مشكلات باتت شائعة في نماذج التدريب القسري المبكر.

كما يسلط المقال الضوء على البعد النقدي للدراسة تجاه الأبحاث السابقة، التي ركزت غالباً على فئات شبابية أو شبه نخبوية، من دون تتبع المسار الزمني الكامل للمنجزين حتى أعلى مستويات الأداء. في هذا السياق، يبرز دور الفريق البحثي الدولي، الذي ضم خبراء في علم النفس واقتصاديات الرياضة من جامعات مرموقة، ما يعزز الطابع التكاملي للتحليل.

ويختتم المقال برسالة واضحة موجهة إلى الآباء والمعلمين وصنّاع القرار، تدعو إلى إعادة النظر في سياسات رعاية المواهب، والابتعاد عن فرض التخصص المبكر القسري. فبحسب غوليش، فإن تشجيع الأطفال والشباب على الجمع بين مجالين أو ثلاثة، حتى وإن بدت غير مترابطة ظاهرياً، قد يكون أكثر فاعلية في بناء نجاح طويل الأمد، وأكثر انسجاماً مع التطور الإنساني الطبيعي.

بهذا المعنى، لا يكتفي المقال بعرض نتائج علمية، بل يضعها في سياق تربوي وسياساتي أوسع، ليعيد طرح سؤال جوهري حول معنى التفوق في الطفولة، وما إذا كان فعلاً الطريق المضمون نحو التميز العالمي، أم مجرد محطة عابرة قد تكون مضللة في كثير من الأحيان.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn