يؤشر مقال د. احمد عيّاش، المتخصص في علم النفس السياسي، والمنشور على حسابه، قبل مضمونه، من موقع كاتبه. فالكاتب لا يتقدّم بوصفه مالك حقيقة، ولا ينصّب نفسه قاضيًا للتاريخ أو الفكر، بل يدخل النص بلهجة تساؤلية حذرة، تُقرّ منذ السطر الأول بأن لكل اسم “ظلًا أو سرًا مجهولًا يمشي معه”. هذه الجملة الافتتاحية ليست توصيفًا أدبيًا فحسب، بل إعلان موقف معرفي: الكاتب يعترف ضمنًا بأن ما نراه ونقرأه ونردّده ناقص بطبيعته.
بهذا المعنى، يمارس الكاتب التواضع المعرفي قبل أن يدعو إليه. فهو لا يقدّم أطروحة مغلقة، بل يفتح النص على احتمالات: ربما، ما أدرانا، لعلّ، يمكن أن يكون. هذه اللغة الاحتمالية ليست ضعفًا في الحُجّة، بل وعيًا بحدود المعرفة، ورفضًا للادّعاء بأن التاريخ يُقرأ من زاوية واحدة أو يُختزل في اسم واحد.
ومن هذا الموقع المتواضع، ينتقل الكاتب إلى تفكيك ظاهرة أوسع: نزعة الإنسان إلى صناعة الأصنام المعرفية. فهو لا يهاجم الإسكندر أو نيتشه أو طه حسين، بل يرفض الطريقة التي نُقدّمهم بها: أبطالًا مكتفين بذواتهم، منفصلين عن سياقاتهم، وكأنهم ظهروا من فراغ.
الكاتب هنا لا يدّعي امتلاك “الرواية الصحيحة”، بل يدعو القارئ إلى الشكّ في الرواية السائدة، وهو جوهر التواضع المعرفي.ويستمر هذا الموقف في طريقة استدعاء الأمثلة: لا توجد أحكام قطعية، ولا تصنيفات أخلاقية نهائية.
حتى “الجاهلية” تُستعاد لا لنفي الإسلام أو تبرير العنف، بل لكسر التعميم الكسول الذي يختزل حقبة كاملة في صورة نمطية. الكاتب يعترف ضمنًا بأن المعرفة التاريخية انتقائية، وأننا نرى ما نريد أن نرى، ونغفل ما لا يخدم سرديتنا.
وحين يصل إلى الشخصيات القريبة من العباقرة، الأخت، الزوجة، المعلّم، المرافق، لا يدّعي الكاتب كشف “حقيقة مخفية”، بل يذكّر بأن هناك دائمًا احتمالًا آخر لم ننتبه إليه. وهذا بحد ذاته فعل تواضع: الامتناع عن الجزم، والاعتراف بأن النصوص والأفكار قد تكون نتيجة أكثر من صوت واحد.
حتى في الأمثلة العسكرية والرياضية، لا يتحدّث الكاتب بلغة التنظير، بل بلغة الواقع البديهي: لا نصر بلا جنود، ولا هدف بلا فريق. وكأن الكاتب يقول: لو تواضعنا معرفيًا، لبدت هذه الحقيقة بديهية، لكن غرور الأسماء يحجبها.
ويبلغ التواضع المعرفي ذروته في الخاتمة، حين يعيد الكاتب السؤال إلى القارئ نفسه: وأنت، كم اسم أو كم ظلّ أو كم سرّ لك؟ هنا ينسحب الكاتب من موقع المعلّم، ويضع نفسه والقارئ على المستوى ذاته. فلا أحد مكتمل، ولا أحد مرئي بالكامل، ولا أحد بلا أثر في حياة غيره.



