نُشر هذا المقال في صحيفة seattletimes.com بقلم الأستاذ Onur Bakiner، ويتناول الجدل المتصاعد حول دور الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، وما إذا كان يمثل ثورة تعليمية حقيقية أم مجرد موجة تقنية جديدة يبالغ أنصارها في تقدير تأثيرها. ويؤكد الكاتب أن النقاش الدائر داخل الجامعات لم يعد يقتصر على كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل أصبح يمتد إلى سؤال أكثر جوهرية: ما هو شكل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي؟
يرى الكاتب أن الجامعات تعيش حالة استقطاب حادة بين فريق يعتبر أن من واجب المؤسسات التعليمية إعداد الطلاب لعالم العمل الجديد من خلال دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، وفريق آخر يخشى أن يؤدي الاعتماد المفرط على هذه الأدوات إلى تآكل مهارات التفكير النقدي والتحليل المستقل. وبين هذين الموقفين، تتزايد الأسئلة حول ما إذا كانت هذه التقنية ستُحدث بالفعل تحولاً جذرياً في التعليم أم أنها ستستهلك موارد ضخمة دون تحقيق نتائج استثنائية.
ويشير المقال إلى أن استخدام الطلاب للذكاء الاصطناعي أصبح واقعاً يومياً لا يمكن تجاهله. فالكثير من الطلاب يعتمدون على روبوتات المحادثة وأدوات الذكاء الاصطناعي في إنجاز الواجبات الدراسية أو مراجعة النصوص أو توليد الأفكار الأولية. وقد دفع ذلك الجامعات إلى إعادة النظر في سياسات النزاهة الأكاديمية، إذ لم تعد الحدود بين المساعدة المشروعة والغش الأكاديمي واضحة كما كانت في السابق. فهل يُعد استخدام الذكاء الاصطناعي لتصحيح الأخطاء اللغوية أمراً مقبولاً؟ وماذا عن استخدامه لتطوير الأفكار قبل كتابة البحث؟ هذه الأسئلة أجبرت الأساتذة على إعادة تصميم المقررات الدراسية والواجبات بهدف جعل الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للتعلم بدلاً من أن يكون بديلاً عنه.
كما يلفت الكاتب إلى أن ثورة الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي لا تقتصر على الطلاب فقط، بل تشمل أيضاً أعضاء هيئة التدريس والإدارات الجامعية. فمنذ إطلاق ChatGPT أواخر عام 2022، شهد قطاع التكنولوجيا التعليمية انفجاراً في عدد الأدوات المخصصة لاكتشاف الانتحال الأكاديمي، وتصحيح الواجبات، وإعداد الخطط الدراسية، وإدارة مراجعات الأقران، وغيرها من المهام. ويُتوقع من هذه الأدوات رفع الكفاءة الإنتاجية للأساتذة وتخفيف الأعباء الإدارية، بينما يراهن البعض على تطوير معلمين افتراضيين قادرين على تقديم تعليم شخصي لكل طالب، رغم استمرار مشكلة “هلوسات” الذكاء الاصطناعي وعدم موثوقية بعض مخرجاته.
ويتناول المقال أيضاً سباق الجامعات نحو تبني الذكاء الاصطناعي باعتباره معياراً جديداً للتميز المؤسسي. فالكثير من الجامعات أطلقت مبادرات خاصة بالذكاء الاصطناعي، وبعضها استحدث مناصب إدارية متخصصة للإشراف على هذه التحولات. ومن الأمثلة التي يوردها الكاتب تعيين University of Washington لمنصب نائب وكيل الجامعة لشؤون الذكاء الاصطناعي، في إطار سعي المؤسسات الأكاديمية إلى ترسيخ حضورها في هذا المجال سريع التطور.
لكن هذه التحولات لا تمر دون اعتراضات قوية. فالكاتب يستعرض الجدل الذي شهدته Arizona State University حول مشروع ASU Atomic، وهو برنامج تجريبي يعتمد على وحدات تعليمية شخصية يتم توليدها بواسطة الذكاء الاصطناعي. وقد أثار المشروع انتقادات من بعض أعضاء هيئة التدريس الذين اعتبروا المحتوى الناتج خليطاً غير متجانس من المواد التعليمية. كما ظهرت مخاوف قانونية وأخلاقية تتعلق باستخدام المحتوى الأكاديمي الذي ينتجه الأساتذة في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي، خاصة في ظل غياب سياسات واضحة تنظم هذه المسألة.
ويؤكد الكاتب أن كثيراً من الأكاديميين ما زالوا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بحذر شديد. فطبيعة العمل الأكاديمي تقوم على الدقة والبحث عن الحقيقة والتحقق من المعلومات، في حين أن أنظمة الذكاء الاصطناعي لا تزال عرضة للأخطاء والتناقضات. إضافة إلى ذلك، يعتقد عدد كبير من الأساتذة أن التعلم الحقيقي لا يقتصر على الوصول السريع إلى المعلومات، بل يعتمد على عمليات ذهنية معقدة تشمل التكرار والتجربة والخطأ والمراجعة الذاتية والتفكير العميق، وهي عناصر يصعب اختزالها في إجابات فورية تقدمها الخوارزميات.
وفي خاتمة المقال، يقدم الكاتب رؤيته الخاصة لمستقبل الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، حيث يتوقع أن ينجح الذكاء الاصطناعي في إحداث تحول كبير في الجوانب التي تتطلب السرعة والكفاءة، مثل البحث عن المعلومات وتنظيم المحتوى، لكنه لن يتمكن من استبدال الجوانب الجوهرية في عملية التعلم التي تعتمد على التأمل والممارسة والتطور الفكري التدريجي. ويرى أن الثورة الحقيقية لن تكون في استبدال التعليم التقليدي، بل في إعادة تصميم المناهج والبرامج الدراسية ووضع ضوابط تحمي العملية التعليمية من سوء استخدام الذكاء الاصطناعي، مع الاستفادة من مزاياه في الوقت نفسه.



