الجامعة اللبنانية في مرمى الاتهام: حين تتحول المعرفة إلى ضحية

نصّ د. أحمد عيّاش يفتح جرحاً عميقاً في صرحٍ يفترض أن يكون أنقى من أن تلوثه رياح الفساد: الجامعة اللبنانية. المقال، الذي انتشر كصرخة موجعة على وسائل التواصل، لا يتعامل مع خبر التحقيق الذي يجريه جهاز أمن الدولة في كلية الحقوق، الفرع الأول كواقعة أمنية، بل كرمزٍ لانهيار أخلاقي وتربويّ في آخر مؤسسات الدولة التي كان يُعوَّل عليها لحماية المعرفة من التسييس والفساد.

ينطلق الكاتب من موقفٍ واضح: ليس ضد التحقيق النزيه، لكنه ضد تحويل الجامعة إلى مادةٍ للتشهير والإذلال الإعلامي. يتساءل بمرارة عن المستفيد من “رجم الجامعة اللبنانية” علنًا، مذكّرًا بأن معالجة الأخطاء لا تكون بفضحها في الشارع، بل بإصلاحها داخل البيت الأكاديمي نفسه.

ثم يتوسّع عيّاش في تفكيك بنيةٍ عميقة من التواطؤ، يرى أنها تسعى منذ سنوات إلى إضعاف الجامعة اللبنانية لمصلحة الجامعات الخاصة. فارتفاع نسب النجاح في الامتحانات الرسمية لا يفرح الكاتب، بل يثير حيرته، لأنه، كما يقول يُغذي سوق التعليم الخاص الذي “ينهش” جيوب الفقراء. ويذهب أبعد من ذلك في اتهامٍ صريحٍ للسياسات التربوية والحكومية التي تحدّ عمدًا من قدرة الجامعة اللبنانية على استيعاب الطلاب المتفوقين، فتتركهم فريسةً للقطاع الخاص.

يتساءل: لماذا لا توجد كليات طب وهندسة في كل المحافظات اللبنانية؟ ولماذا يبقى القبول محصورًا بـ”نخبة النخبة” بينما يُقصى الممتازون بحجة العدد المحدد مسبقًا، وربما وفق “توزيعٍ طائفيٍّ متخلّف”؟ من هنا ينبثق تحليله الجريء: إنّ تقييد انتشار الجامعة اللبنانية هو عملٌ تآمريّ، تُشارك فيه مؤسسات الدولة نفسها، لتأمين استمرارية الجامعات الخاصة التي تعيش على الرسوم الباهظة.

يستعرض الكاتب تجربة الجامعات الخاصة بأسلوبٍ ساخرٍ لاذع. فهذه الجامعات، كما يقول، قلّما تعرف الراسبين، وكأنها “تبيع” شهاداتٍ معترفًا بها مقابل المال. ويقارنها بالجامعة اللبنانية التي لا تمنح النجاح إلا لمن يستحقه. في رأيه، التعليم الخاص في لبنان أصبح جزءًا من خصخصة الدولة نفسها، ومن آلية إنتاج الامتيازات الطبقية والطائفية.

لا يخفي عيّاش قرفه من واقع الجامعة اللبنانية أيضًا: أساتذة متغيبون أو متعالون، مرافق مهترئة، حمّامات مغلقة من القذارة، مقاعد غير كافية، غياب التفاعل في الصفوف، وانقسام بين متعاقدين يعملون بإخلاص ومتفردين يتمتعون بالراحة. لكنه يصرّ أن الحل ليس بتدمير الجامعة، بل بإصلاحها ودعمها المالي والإداري، كي تبقى “ملاذ أبناء الفقراء”.

في ختام مقاله، يرفع الكاتب نخب الوفاء للجامعة اللبنانية وطلابها وأساتذتها الشرفاء، مؤكدًا أنّ الدفاع عن الجامعة ليس دفاعًا عن مؤسسةٍ فحسب، بل عن فكرة التعليم العام ذاته في بلدٍ يتهدده منطق السوق والخصخصة. ويختصر رسالته في جملة واحدة: “العار لمن يتآمر لصالح الجامعات الخاصة، والمجد للجامعة اللبنانية التي تعلّم أبناءنا خير تعليم بمئة دولار في السنة.”

إنها صرخة مخلصة في وجه منظومةٍ حولت التعليم إلى سلعة، والجامعة الوطنية إلى قضية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn