الذكاء الاصطناعي في الحروب: حملة مقاطعة “شات جي بي تي” تكشف مخاطر توظيف التقنية في الأعمال العسكرية

أشعلت الشراكة الجديدة التي أبرمتها شركة أوبن إيه آي مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) موجة غضب واسعة على الإنترنت، تجلّت في حملة شعبية تطالب بمقاطعة “شات جي بي تي” وإلغاء الاشتراكات. وتكشف هذه الحملة عن توتر أعمق يتصل بالتساؤلات الأخلاقية المتصاعدة حول مدى مشروعية توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الأعمال العسكرية.

تتيح الاتفاقية المبرمة بين أوبن إيه آي والبنتاغون نشر نماذج الشركة داخل شبكات حكومية سرية، وهو ما اعتبره كثيرون تجاوزاً للخطوط الحمراء الأخلاقية التي طالما تشدّقت بها شركات الذكاء الاصطناعي. وقد تصاعد الجدل حين رسمت شركة “أنثروبيك” المنافسة صورة مغايرة تماماً، إذ رفضت شروطاً مماثلة قدّمها البنتاغون، مستندةً إلى مخاوف جدية تتعلق بالمراقبة الجماعية والأسلحة ذاتية التشغيل، مفضّلةً خسارة عقد حكومي ضخم على التنازل عن ضوابطها الأخلاقية.

في المقابل، دافعت أوبن إيه آي عن موقفها، مؤكدةً أن الاتفاقية تتضمن ضمانات صريحة تحظر المراقبة الجماعية داخل الأراضي الأميركية، فضلاً عن حظر الأسلحة ذاتية التشغيل والقرارات المؤتمتة عالية المخاطر. وذهب رئيسها التنفيذي سام ألتمان إلى أن التعاون مع الحكومات لا يُمثّل خطراً بل فرصة لترسيخ الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي وتشكيل معاييره من الداخل. غير أن المنتقدين لا يزالون يتحفّظون، مشيرين إلى أن قوانين كقانون باتريوت قد تُفضي بمرور الوقت إلى توسيع نطاق برامج المراقبة بصورة تتجاوز الضمانات المُعلنة.

ولا يقتصر الانقسام على الرأي العام وحده، بل امتدّ ليطال قطاع التكنولوجيا من الداخل؛ إذ وقّع أكثر من مئتي موظف من غوغل وأوبن إيه آي رسالة مفتوحة تحثّ على فرض قيود أكثر صرامة على استخدام الذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، مما يكشف عن أزمة ضمير حقيقية تعتمل في صفوف المتخصصين أنفسهم.

تُمثّل هذه اللحظة منعطفاً فارقاً في نظرة المستخدمين إلى شركات الذكاء الاصطناعي؛ فبعد أن كانت النقاشات الأخلاقية حكراً على قاعات الأكاديميين ومؤتمرات التقنية، باتت اليوم تتجسّد في شراكات حكومية واقعية ذات أبعاد أمنية وعسكرية بالغة الحساسية. والسؤال الذي يبقى معلّقاً: هل يمكن فعلاً رسم حدود واضحة بين الذكاء الاصطناعي المدني والعسكري، أم أن الشراكات من هذا القبيل تمحو هذا الحد نهائياً؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn