يستعرض محمد السماك في مقاله المنشور على موقع ASAS MEDIA الوجه الخفيّ للعلم حين يتحوّل من أداةٍ لخدمة الإنسان إلى وسيلةٍ لتدميره. فالمقال لا يتناول العلم كقيمة معرفية أو كطريق إلى رفاه البشرية، بل كقوةٍ مزدوجة الوجه، يمكن أن تُنير المستقبل كما يمكن أن تُشعل الحروب. ينطلق الكاتب من ملاحظة جوهرية مفادها أن معظم التقنيات الحديثة لم تولد لخدمة المدنيين، بل خُلقت في الأصل لأغراضٍ عسكرية، ثم تحوّلت لاحقًا إلى الاستخدامات اليومية بعد أن استُنفدت فائدتها في الميدان القتالي.
من الطائرة النفاثة في حرب كوريا إلى المسيّرات في حرب 1973، ومن نظام تحديد المواقع (GPS) الذي استخدم أول مرة في حرب الخليج، إلى حروب التشويش الإلكتروني بين روسيا وأوكرانيا — يسرد المقال مسارًا تاريخيًا يكشف أن العلم، كلما تقدّم خطوة، دفع الإنسان إلى جولةٍ جديدة من التسلّح. حتى اختراع الترانزيستور، الذي مهّد لثورة الإلكترونيات، لم يكن بمنأى عن هذا المنحى، إذ تحوّل إلى أساسٍ لصناعاتٍ عسكرية متطوّرة، قبل أن يصبح لبّ الأجهزة التي نحملها في حياتنا اليومية.
في هذه القراءة، يبدو أن ما يحرّك عجلة العلم ليس الفضول أو الحاجة المدنية فحسب، بل الخوف والحاجة إلى التفوّق في ميدان الصراع. فالاكتشاف العلمي لا يُختبر أولاً في مختبر الطب أو الزراعة، بل على جبهة الحرب. هذه المفارقة هي ما يعبّر عنها الكاتب بوضوح حين يشير إلى أن المخابر والعقول المبدعة لا تنفصل عن موازنات الدفاع، وأنّ كثيراً من الابتكارات العظيمة وُلدت في رحم النزاع. هنا يتجلّى الوجه الآخر للعلم: الوجه الذي يربّي الدمار بقدر ما يزرع الأمل، ويقيس التقدّم بمدى السيطرة لا بمدى العدالة.
ويحذّر المقال من مرحلةٍ جديدة يدخلها العالم، حيث لم يعد التسلّح مقتصرًا على السلاح التقليدي، بل امتدّ إلى الأقمار الصناعية وأنظمة الاتصال نفسها. فإذا كانت هذه الأقمار هي شرايين التواصل الإنساني، فإنّ تحويلها إلى أهدافٍ عسكرية يهدّد بتقويض الأساس الذي يقوم عليه التواصل والمعرفة. بهذا المعنى، لا يعود خطر الحرب مقتصرًا على الجغرافيا بل يمتدّ إلى البنية الذهنية والثقافية للعصر الرقمي.
إنّ القيمة الأبرز في المقال تكمن في تذكير القارئ بأنّ كلّ اختراعٍ علمي يحمل في داخله سؤالاً أخلاقيًا: لمن سيُستخدم، وكيف؟ فالعلم ليس خيرًا أو شرًّا في ذاته، بل يصبح ما يصنعه الإنسان به. وما لم يقترن التقدّم بالوعي، فإنّ الوجه الآخر للعلم سيظلّ هو السائد — علمٌ يُراقب، يُشوش، ويدمّر، قبل أن يُعالج ويُعلّم.



