المتقاعدون يعودون إلى الجامعة: التعلم بلا عمر

نُشر المقال في صحيفة نيويورك تايمز بعنوان “Why Are More Retirees Going Back to College?” بقلم سارة بَهر، ويقدّم مشهدًا إنسانيًا دافئًا حول ظاهرةٍ جديدة في الولايات المتحدة، حيث المتقاعدون يعودون إلى الجامعة ليواصلوا التعلم، ويشاركوا حياة الحرم الجامعي بروحٍ من الفضول والتجدد.

تبدأ الكاتبة من جامعة ولاية أريزونا، حيث يعيش مئات المتقاعدين في مجمع “ميرابيلا” داخل الحرم الجامعي، يدرسون ويشاركون الطلاب الأنشطة اليومية. في إحدى الورش، يقف مساعد تدريس يبلغ الثمانين من عمره وسط طلبة في العشرينات، يتحدث إليهم ويشاركهم خبرته في النجارة والفن، في مشهد يجسد التفاعل الخلاق بين الأجيال. هؤلاء المتقاعدون لا يسكنون الجامعة فحسب، بل أصبحوا جزءًا من نسيجها: يحضرون المحاضرات، يساعدون في المختبرات، يشاركون في اللجان الأكاديمية، ويعملون على تطوير مهارات التواصل بين الطلبة الدوليين.

يرى الكاتب من خلال شهادات متعددة أن عودة المتقاعدين إلى الجامعة ليست مجرد ترفٍ أو حنينٍ إلى الماضي، بل بحثٌ صادق عن المعنى والانتماء. فالتعلّم المستمر يمنحهم شعورًا بالجدوى والهوية، بينما تمنحهم الحياة الجامعية فرصة للتفاعل مع جيلٍ جديد، يختلف عنهم في أدواته وتفكيره، لكن يلتقي معهم في شغف المعرفة. إحدى المقيمات، وهي مسؤولة سابقة في منظمة إنسانية، تصف تجربتها بأنها “عودة إلى الحياة من جديد”، حيث تقضي أيامها بين الصفوف والمسرح والتطوع في برنامج “مقعد الصداقة” الذي يتيح للطلبة التحدث عن مشكلاتهم في بيئة خالية من الأحكام.

في المقابل، يستفيد الطلاب من هذا الاندماج العابر للأعمار؛ إذ يعمل بعضهم داخل مجمع المتقاعدين كمساعدين تقنيين أو في مجالات الخدمة والصحة، بينما يقيم فنانون من طلبة الدراسات العليا عروضًا موسيقية ومسرحية للمقيمين، ما يخلق فضاءً تفاعليًا يجمع الفن والتعليم والتجربة الحياتية. هذا التبادل الإنساني يكوّن مجتمعًا يتعلّم فيه الجميع من الجميع، ويعيد تعريف الشيخوخة كمرحلة للنضج والإبداع لا للانعزال.

المقال يرصد كذلك التحوّل الثقافي في نظرة المجتمع الأميركي إلى مرحلة التقاعد، فبدل الانسحاب من الحياة، يسعى كثيرون إلى توسيع مداركهم واكتساب مهارات جديدة. تقول إحدى الطالبات الشابات في قسم العلوم العصبية إن وجود الكبار في الصفوف “ملهم حقًا”، لأنهم يبرهنون أن التعلم لا يتوقف عند عمرٍ معين، بل هو طريقٌ لإبقاء الذهن متقدًا والعاطفة حيّة.

وتتوسع الكاتبة في الإشارة إلى انتشار هذه القرى الجامعية في أنحاء الولايات المتحدة منذ التسعينيات، لتصبح مراكز حقيقية لـ “التعلم مدى الحياة”، تجمع بين النشاط الثقافي والمشاركة الأكاديمية والانفتاح الاجتماعي. من ورش الفنون والموسيقى إلى الحوارات الفكرية والمحاضرات المشتركة، تتحول هذه التجمعات إلى مختبر إنساني للتفاعل بين الأجيال، حيث تنكسر الحواجز التقليدية بين “الطالب” و”الأستاذ” و”المتقاعد”.

وفي الختام، تصوّر الكاتبة هذه التجربة بوصفها درسًا في كيفية إعادة تعريف العمر والتعليم معًا: فالتقاعد ليس نهاية المطاف، بل فصلٌ جديد من التعلم والمشاركة. داخل جامعة ولاية أريزونا، يشعر المقيمون أنهم ما زالوا جزءًا من الحياة الأكاديمية بكل تفاصيلها، ويتبادلون مع الشباب خبرات ومعاني تعيد إلى التعليم روحه الأصلية—رحلة بحثٍ دائمة عن الفهم، والمعنى، والإنسان.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn