نُشر المقال على موقع إيست نيوز، وهو يسلّط الضوء على ظاهرة النزوح الصامت من الضاحية الجنوبية لبيروت نحو المناطق الجبلية الأكثر أمانًا، في ظل تصاعد التوترات الأمنية. لكن ما يميّز هذا التقرير الميداني هو زاويته الاجتماعية الدقيقة، حيث لا يتناول النزوح كحدث أمني فحسب، بل كتحوّل عميق يصيب المدارس، والطلاب، والنسيج التعليمي في المنطقة، ويعيد رسم الخريطة الديموغرافية للبنية التربوية في العاصمة وضواحيها.
يصف المقال مشهدًا إنسانيًا مركّبًا: سيارات الأجرة التي كانت تنقل العمال والتلاميذ صارت تقلّ العائلات مع حقائبها، بينما تتبدّل وظائف الأحياء من مراكز حياة يومية إلى مناطق عبور مؤقتة. المدارس في الضاحية لم تُغلق رسميًا، لكنها تعمل اليوم بنصف طاقتها، بعد أن غادرت أعداد كبيرة من التلاميذ إلى مدارس في عاليه وبعبدا والمتن وبيروت الإدارية. هذا النزوح الطلابي غير المنظم ترك أثرًا مباشرًا على انتظام العام الدراسي، إذ تواجه المدارس المستقبِلة ضغطًا متزايدًا في الصفوف والبنى التحتية، بينما تتقلص فرص التلاميذ الذين بقوا في مناطق الخطر نتيجة اضطراب الدروس وتردي الخدمات.
يشير الدكتور حسين نابلسي إلى أن ما يحدث هو “نزوح صامت لكنه مؤثر بعمق على الدورة الاقتصادية والاجتماعية”، مشيرًا إلى أن غياب التنظيم الرسمي حوّل التعليم إلى امتياز طبقي جديد. فالعائلات القادرة على تحمل كلفة الإيجار والنقل هي وحدها التي استطاعت تأمين مقعد دراسي آمن لأطفالها، في حين بقيت العائلات محدودة الدخل عالقة في مدارس متعثرة داخل الضاحية، بلا دعم نفسي ولا تربوي كافٍ. ومع غياب خطة حكومية واضحة، تكتفي البلديات بجهود خجولة لتأمين الخدمات الأساسية، فيما تُترك المدارس لإدارة أزماتها الذاتية.
المقال يلتقط أيضًا التحوّل في المزاج الاجتماعي للتلاميذ والمعلمين على حد سواء. فالأطفال الذين انتقلوا إلى مدارس جديدة يعيشون حالة من الاغتراب العاطفي والتربوي، إذ يجدون أنفسهم فجأة في بيئة مختلفة لغويًا وثقافيًا واجتماعيًا، بينما يحاول المعلمون في المناطق المستقبلة التكيّف مع تضاعف الأعداد وضغط الموارد. هذه الفوضى الهادئة في النظام التعليمي تُترجم، كما يقول نابلسي، إلى “نزوح في الثقة قبل أن يكون نزوحًا في المكان”، لأن العائلات فقدت الإيمان بقدرة الدولة على حماية أبنائها أو ضمان استمرارية تعليمهم.
.في المحصلة، يرسم المقال لوحة مؤلمة لواقع التعليم في لبنان تحت ضغط الأزمات الأمنية والاقتصادية، حيث يتحول المدرس إلى ملاذ نفسي قبل أن يكون تربويًا، والمدرسة إلى خيمة غير مرئية للنزوح الداخلي. إنها ليست حربًا بالمدافع، بل حرب استنزاف يومية تطال الذاكرة التربوية للبلاد، وتعيد تعريف معنى الأمان بالنسبة للطفل اللبناني.



