نُشر هذا المقال في صحيفة النهار بتاريخ 20 كانون الأول 2025، وكتبه الخوري ريمون أبي تامر، ضمن مقالات الرأي التي تتناول قضايا الهوية، التعليم، وبنية الدولة اللبنانية.
يقدّم المقال قراءة نقدية عميقة لمسار تغييب الفلسفة من المناهج التعليمية في لبنان، معتبراً أن ما جرى لم يكن نتيجة إهمال عابر أو خلل تقني في السياسات التربوية، بل خياراً سياسياً واعياً هدفه إفراغ المدرسة من بعدها النقدي وتحويلها من فضاء لتكوين المواطن إلى أداة لإنتاج أفراد مطيعين. ينطلق الكاتب من مفارقة موجعة: بلد يفاخر بدوره الثقافي وبتعدديته، في مقابل نظام تعليمي عمل تدريجياً على إقصاء المادة الأكثر قدرة على تدريب العقل على السؤال والمساءلة.
يربط النص بين مناهج 1997 وما حملته من خطاب “التحديث”، وبين عملية منهجية لتقليص حضور الفلسفة، سواء عبر خفض حصصها، أو تفريغها من مضمونها التحليلي، أو تحويلها إلى مادة امتحانية قائمة على الحفظ لا على التفكير.
في هذا السياق، يضع الكاتب تغييب الفلسفة في السياق نفسه الذي أُبعد فيه تاريخ لبنان الحديث، معتبراً أن الهدف المشترك هو تعطيل الذاكرة وشلّ القدرة على النقد، بما يخدم إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه. فغياب الفلسفة، بحسب المقال، يعني غياب أدوات السؤال، ومن دون السؤال لا مواطنة فعلية ولا مساءلة ولا قدرة على المحاسبة.
يتوقف المقال مطولاً عند سبب خوف السلطة من الفلسفة، معتبراً أن خطورتها لا تكمن في كونها مادة نظرية، بل في طبيعة الأسئلة التي تطرحها حول شرعية السلطة، ومعنى العدالة، وحدود الدولة، وموقع الفرد من الجماعة. هذه الأسئلة، في نظر الكاتب، تهدد بنية نظام قائم على الولاءات لا على الحقوق، وعلى الطاعة لا على التفكير الحر. ومن هنا، تحوّلت الفلسفة إلى عبء يجب تحييده، لا إلى رافعة تربوية يجب تطويرها.
وفي بعده الهويّاتي، يربط المقال بين الفلسفة والخصوصية اللبنانية نفسها، باعتبار أن لبنان قام تاريخياً على جدلية الحرية والعقل والتعددية، وهي جدلية لا يمكن أن تستمر من دون تدريب منهجي على الاختلاف والنقاش والنقد.
ويشير الكاتب إلى تجارب دول خرجت من حروب أهلية مدمرة، مثل فنلندا ورواندا وجنوب أفريقيا، اختارت إعادة بناء الإنسان عبر الفلسفة، في حين اختار لبنان إسكاتها، ما عمّق هشاشة المجتمع أمام الشعبوية وخطابات الكراهية.
ويخلص المقال إلى تعداد الخسائر التي تكبّدها لبنان نتيجة تغييب الفلسفة، من تراجع مستوى النقاش العام، إلى ضعف المناعة الفكرية لدى الأجيال الجديدة، وصولاً إلى إنتاج جيل متفوّق تقنياً، لكنه فقير في أدوات الفهم النقدي للذات وللآخر وللمجتمع. جيل يعرف كيف يعمل، لكنه لا يعرف لماذا يعمل، ولا ضمن أي مشروع وطني أو أخلاقي.
في ختامه، يطرح الكاتب إعادة الفلسفة بوصفها معركة سياسية بامتياز، لا مجرد مطلب تربوي. فالمخاطر، برأيه، لا تكمن فقط في استمرار تغييبها، بل أيضاً في احتمال إعادتها بشكل شكلي تحت مسميات فضفاضة كـ”مهارات التفكير”، منزوعة من بعدها الإنساني والسياسي. لذلك يدعو إلى فلسفة حقيقية تعيد للمدرسة دورها كمساحة وعي، وتعيد للعقل مكانته في بناء الدولة، مؤكداً أن أي مشروع نهوض في لبنان لا يمكن أن يبدأ من دون استعادة حق السؤال، لأن السؤال هو مدخل الحرية وبداية الدولة.



