نُشر المقال على موقع The Economic Times تحت عنوان يشير إلى ردّ الرئيس التنفيذي لمصرف JPMorgan Chase، جيمي ديمون، على عريضة موظفيه المطالبة بمواصلة العمل من المنزل، مؤكدًا أن الحضور إلى المكتب ليس ترفًا تنظيميًا، بل عنصرًا أساسيًا في بناء الخبرة المهنية، خصوصًا لدى الأجيال الشابة. ويكشف المقال عن موقف ديمون الحازم تجاه نموذج العمل الهجين الذي تبنّته مؤسسات كثيرة بعد جائحة كورونا، إذ اعتبر أن التواصل البشري المباشر هو ما يصنع الخبرة الفعلية والتعلّم العملي، لا الاجتماعات الافتراضية عبر «زووم».
خلال مؤتمر استثماري في الرياض، أوضح ديمون أنه لا يسخر من التكنولوجيا، لكنه يرى أن الاعتماد المفرط على أدوات التواصل الافتراضي حرم الموظفين من فرصة التعلّم الطبيعي الذي يحدث في مكان العمل حين يخطئ أحدهم ويتلقى توجيهًا أو ملاحظة فورية. وأشار إلى أن هذه اللحظات هي ما تبني الشخصية المهنية وتعمّق مهارة التفكير النقدي، وهي عناصر لا يمكن استبدالها ببيئة رقمية. تأتي تصريحاته بعد توقيع أكثر من ألفي موظف في البنك على عريضة تطالب بإبقاء خيار العمل المرن، وهو ما رفضه ديمون تمامًا، معلنًا أن العودة الكاملة إلى المكاتب قرار استراتيجي غير قابل للتفاوض.
ويورد المقال أن البنك استثمر مؤخرًا مليارات الدولارات في بناء مقر جديد في مانهاتن، ما يعكس رؤية مؤسسية تعتبر العمل من المكتب جزءًا من ثقافة البنك ووسيلة لتعزيز التعاون والإبداع. وأكد ديمون أن الإدارة لن تترك مسألة الحضور لتقدير المديرين الفرعيين لأن التجربة السابقة أظهرت إساءة في تطبيق المرونة، معتبرًا أن غياب الانضباط في الالتزام اليومي يضرّ بالإنتاجية وبالتواصل بين الفرق.
يحلّل المقال هذا الموقف بوصفه تعبيرًا عن تحوّل أوسع في المؤسسات المالية الكبرى التي تعيد النظر في سياسات العمل بعد الجائحة. فبينما تراجعت جاذبية العمل الحضوري خلال السنوات الأخيرة، بدأت المصارف والشركات الكبرى تدرك أن الحضور الفعلي يعزّز تبادل الخبرات ويمنح الموظفين الشباب تدريبًا عمليًا لا يتوافر في بيئة افتراضية. في المقابل، يلفت المقال إلى أن تشدد هذه السياسات قد يدفع بعض الكفاءات إلى البحث عن بيئات أكثر مرونة، ما يخلق توازنًا جديدًا بين الكفاءة الإنتاجية وراحة الموظف.
في المحصلة، يعكس موقف ديمون رؤية واضحة ترى في المكتب ليس مكانًا للرقابة بل مدرسة لتكوين المهارات. فالتعلّم من التجارب اليومية، ومراقبة الآخرين، واستيعاب الثقافة المؤسسية لا يمكن أن تتحقق عبر الشاشات. إن ما يدافع عنه ديمون هو جوهر الفكرة الكلاسيكية للعمل كفضاء اجتماعي وتدريبي، لا مجرد أداء مهام عن بُعد. وبذلك يعيد الرجل طرح سؤال جوهري على عالم ما بعد الجائحة: هل نعمل لننجز المهام فقط، أم لنتطور ونتعلم من بيئة تفاعلية تصنع الخبرة؟ في رؤيته، الجواب واضح، المكتب هو المدرسة، والتعلّم الحقيقي يحدث حين نكون معًا.



