نُشر هذا المقال في موقع BBC News عربي، ويتناول تحوّلاً مفصلياً في علاقة القضاء بشركات التكنولوجيا الكبرى، من خلال حكم قضائي غير مسبوق يحمّل منصات التواصل الاجتماعي مسؤولية مباشرة في تعزيز الإدمان، خاصة لدى الأطفال والمراهقين.
يعرض المقال تفاصيل حكم صادر عن هيئة محلفين في لوس أنجلوس ضد منصتي إنستغرام ويوتيوب، حيث اعتُبر أن تصميمهما يقوم على آليات مدروسة لتعزيز الاستخدام المفرط، بما يرقى إلى الإدمان. هذا الحكم لا يقتصر على تحميل المسؤولية التقنية، بل يتجاوز ذلك إلى مساءلة أخلاقية وقانونية لشركتي ميتا وغوغل حول تقصيرهما في حماية المستخدمين القاصرين.
يركّز المقال على قضية فتاة تُدعى كايلي، التي حصلت على تعويض مالي نتيجة الأضرار النفسية التي لحقت بها، مثل الاكتئاب واضطراب تشوّه صورة الجسد. ويُبرز السرد كيف أن الاستخدام المبكر والمكثف للمنصات، في غياب أي قيود عمرية فعالة، أدى إلى تفاقم حالتها النفسية، ما يعكس خللاً بنيوياً في تصميم هذه التطبيقات التي تعتمد على إبقاء المستخدم أطول وقت ممكن.
يتعمّق المقال في تحليل طبيعة هذه المنصات، مشيراً إلى أن خصائص مثل التمرير اللانهائي، والتوصيات الخوارزمية، والتشغيل التلقائي للفيديوهات، ليست مجرد أدوات لتحسين تجربة المستخدم، بل عناصر جوهرية في اقتصاد الانتباه الذي تعتمد عليه الشركات. هذا النموذج الاقتصادي يقوم على تعظيم زمن التفاعل لزيادة العائدات الإعلانية، ما يضع رفاه المستخدم في موقع ثانوي.
كما يناقش المقال البعد القانوني، خصوصاً ما يتعلق بالحماية التي توفرها المادة 230 في الولايات المتحدة، والتي تعفي المنصات من المسؤولية عن محتوى المستخدمين. غير أن هذا الحكم قد يشكّل بداية لتآكل هذه الحماية، مع تصاعد الضغوط السياسية والتنظيمية لإعادة النظر فيها.
ويستحضر المقال مقارنة لافتة مع شركات التبغ، حيث يرى بعض الخبراء أن ما يحدث اليوم مع شركات التكنولوجيا يشبه إلى حد بعيد المسار الذي مرت به صناعة التبغ: من الإنكار إلى الاعتراف، ثم إلى التنظيم الصارم. هذا التشبيه يفتح الباب أمام سيناريوهات مستقبلية، مثل فرض تحذيرات صحية على التطبيقات أو تقييد بعض خصائصها.
في سياق أوسع، يربط المقال بين هذا الحكم واتجاه عالمي متصاعد نحو تنظيم استخدام الأطفال للتكنولوجيا، كما في أستراليا التي فرضت قيوداً عمرية، مع توقعات بأن تحذو دول أخرى حذوها. ويؤكد أن هذا الحكم قد يشجّع مزيداً من الدعاوى القضائية، ما يضع شركات التكنولوجيا أمام مرحلة جديدة من المساءلة.
في المحصلة، يقدّم المقال قراءة عميقة لتحوّل نوعي في العلاقة بين المستخدمين وشركات التكنولوجيا، حيث لم تعد هذه الشركات بمنأى عن المحاسبة، بل أصبحت مطالبة بإعادة النظر في نماذجها التصميمية والاقتصادية بما يوازن بين الربح والمسؤولية الاجتماعية.



