المقال منشور في مجلة الحقائق، بقلم د. علي فاعور، عضو المجلس الوطني للبحوث العلمية، ويتناول الهجرة اللبنانية إلى دول الخليج من زاويتين مترابطتين: الخريطة الحضرية لانتشار اللبنانيين في الخليج، والمعادلة الاقتصادية بين التحويلات المالية ونزيف رأس المال البشري.
يعرض المقال فكرة أساسية مفادها أن الهجرة اللبنانية الجديدة لا يمكن فهمها من خلال أعداد اللبنانيين في كل دولة فقط، لأن الجزء الأكبر من هذه الهجرة يتمحور حول مدن خليجية كبرى تحولت إلى أقطاب لاستقطاب الكفاءات والمهنيين.
ففي السعودية تبرز الرياض بوصفها العقدة الأكثر دينامية، مع توسع قطاعات الإدارة والاستشارات والمال والتكنولوجيا والمشروعات الكبرى، بينما تحتفظ جدة بدورها التجاري والخدمي، وتشكّل المنطقة الشرقية، ولا سيما الخبر والجبيل، امتداداً يرتبط بالصناعة والطاقة والخدمات.
وفي الإمارات، تظهر دبي كمركز إقليمي للأعمال والتجارة والمال والإعلام والتكنولوجيا، في حين تتمتع أبوظبي بثقل أكبر في المؤسسات والاستثمار والطاقة والمال والخدمات المتخصصة.
ويمتد هذا النمط إلى قطر والكويت، حيث تتركز الجالية اللبنانية بصورة كبيرة في الدوحة ومدينة الكويت والمناطق المحيطة بها. فالدوحة تستقطب اللبنانيين في قطاعات المشروعات والخدمات والتعليم والضيافة والمال، بينما تتمتع الكويت بشبكة لبنانية أقدم وأكثر رسوخاً، نشأت عبر عقود من التجارة والعمل والمهن المختلفة.
أما المنامة ومسقط فتظهران كعقدتين أصغر حجماً وأكثر تخصصاً، بما يؤكد أن الانتشار اللبناني لا يقتصر على مركز خليجي واحد، بل يشكل شبكة حضرية متدرجة تمتد عبر دول مجلس التعاون.
ويشير المقال إلى أن هذه الهجرة الجديدة لم تبدأ من الصفر بعد الأزمة اللبنانية، بل وجدت أمامها شبكات لبنانية قديمة تشكلت خلال عقود. فقد سبق وجود الشركات وأصحاب الأعمال والمهنيين والأقارب والمؤسسات اللبنانية موجة الهجرة التي اشتدت بعد عام 2019.
وتحولت هذه الشبكات إلى نوع من البنية التحتية الاجتماعية والمهنية للهجرة، إذ تساعد الوافدين الجدد في الوصول إلى فرص العمل، والحصول على المعلومات، وبناء العلاقات، وتخفيف تكاليف الانتقال والاستقرار. وبالتالي فإن قوة الجذب الخليجية لا تفسر وحدها استمرار الهجرة، بل تتفاعل مع شبكة لبنانية متراكمة تجعل الانتقال أكثر سهولة.
ومن هنا ينتقل المقال إلى الجانب الأكثر أهمية في التحليل، وهو المفارقة الاقتصادية للهجرة اللبنانية. فالاغتراب يوفر للبنان تدفقات مالية ضخمة عبر تحويلات المغتربين، بلغت وفق الأرقام التي يستند إليها المقال نحو 6.3 مليارات دولار عام 2022 ونحو 6.6 مليارات في 2023، بينما تشير بيانات أحدث إلى مستويات تقارب 6.4–6.7 مليارات دولار.
ومع انكماش الاقتصاد اللبناني بصورة حادة، ارتفعت الأهمية النسبية لهذه التحويلات، فأصبحت تؤدي دور شبكة أمان للأسر، وتمول جانباً من النفقات الأساسية مثل الغذاء والسكن والتعليم والصحة.
لكن أهمية التحويلات لا تعني أن الهجرة تمثل مكسباً صافياً للبنان. فالمقال يضع في الجهة المقابلة ما يسميه «نزيف الأدمغة»، أي خروج الأطباء والمهندسين والباحثين وأصحاب الاختصاصات والمهارات. وهؤلاء لا يغادرون لبنان بقوة عملهم الحالية فقط، بل يحملون معهم سنوات طويلة من التعليم والتدريب والخبرة، إضافة إلى قدرتهم المستقبلية على الإنتاج والابتكار والمساهمة في المؤسسات والجامعات والاقتصاد الوطني.
وهنا تكمن المفارقة التي يحاول المقال إبرازها: التحويلات تعوّض جزءاً من الدخل الذي فقدته الأسر، لكنها لا تعوّض بالضرورة رأس المال البشري الذي فقده الاقتصاد. فالدولارات التي يرسلها الطبيب المهاجر قد تساعد عائلته في لبنان، لكنها لا توفر للمستشفى طبيباً آخر يمتلك الخبرة نفسها؛ والتحويلات التي يرسلها المهندس لا تعوّض المؤسسة عن خبرته؛ كما أن الأموال لا تستطيع أن تحل محل الأستاذ الجامعي أو الباحث الذي يغادر البلاد.
وتصبح هذه المشكلة أكثر تعقيداً إذا ربطناها بالتحولات الديموغرافية التي يشهدها لبنان. فالهجرة، ولا سيما هجرة الشباب وأصحاب الاختصاصات، تتزامن مع انخفاض معدلات الولادات واتجاه البنية السكانية نحو الشيخوخة. وبالتالي لا يخسر لبنان جزءاً من قوته العاملة الحالية فحسب، بل يخسر أيضاً نسبة من الفئات الشابة التي كان يفترض أن تشكل قاعدة الإنتاج والابتكار والإعالة في المستقبل.
ويحاول المقال أيضاً إبراز الوزن الكبير للخليج داخل منظومة التحويلات اللبنانية. فالسعودية والإمارات وقطر وغيرها من دول مجلس التعاون تستضيف أعداداً كبيرة من اللبنانيين، كما أن طبيعة الهجرة المهنية فيها تعني وجود شرائح ذات دخول مرتفعة نسبياً.
ويستشهد المقال بتقديرات تشير إلى أن السعودية أصبحت في بعض السنوات المصدر الأكبر للتحويلات إلى لبنان، فيما تأتي الإمارات أيضاً ضمن المصادر المهمة. ومع ذلك، يلفت النص إلى غياب سلسلة إحصائية حديثة وموحدة تسمح بتحديد حصة دول الخليج بدقة من إجمالي التحويلات اللبنانية.
وفي النهاية، يقدم المقال الهجرة اللبنانية إلى الخليج باعتبارها معادلة مزدوجة: لبنان يحصل من اغترابه على مليارات الدولارات التي تساعد الأسر والاقتصاد على الصمود، لكنه في الوقت نفسه يخسر جزءاً من رأس ماله البشري الذي يحتاج إليه للخروج من أزمته. ولذلك فإن تقييم الهجرة بمجرد أعداد المهاجرين أو قيمة التحويلات يعطي صورة ناقصة؛ فالمقياس الأهم هو العلاقة بين القيمة المالية التي تدخل لبنان والقيمة البشرية والإنتاجية التي تخرج منه.
والحل الذي يقترحه المقال ليس محاولة إيقاف الهجرة، وهي عملياً عملية يصعب عكسها، وإنما تغيير طبيعة العلاقة بين لبنان واغترابه. فبدلاً من أن يبقى اللبناني في الخليج مجرد مصدر للتحويلات، يمكن أن يتحول إلى شريك في الاستثمار ونقل المعرفة والتكنولوجيا وفتح الأسواق وبناء شبكات الأعمال. وبهذا المعنى، يمكن أن يتحول الانتشار اللبناني من نتيجة لأزمة الداخل إلى أحد الأدوات التي تساعد على إعادة بناء الاقتصاد اللبناني.



