ضدّ “عبادة السرعة”: لماذا علينا أن نبطئ ونعيد الاتصال بالزمن.

نُشر هذا المقال في بي بي سي عربي، ويتناول نقداً فلسفياً واجتماعياً لثقافة السرعة الحديثة، عنوانه “ضدّ ‘عبادة السرعة’: لماذا علينا أن نبطئ”، حيث يستعرض الكاتب جذور الظاهرة، مآلاتها الاجتماعية والنفسية، وحركات المقاطعة أو المقاومة التي تدعو إلى تبنّي إيقاع أبطأ للحياة.

يقدّم المقال قراءة مترابطة وموسّعة لِما يسميه فلاسفة وعلماء الاجتماع “التسارع الاجتماعي”، ويُظهر كيف أن تقنيات التربّع على سرعة الإنجاز لم تقِلّص العبء عن الإنسان كما وعدت، بل ضاعفت سقف التوقعات وجعلت كلّ إنجاز بداية لسلسلة من المهام الجديدة. يستند النص إلى أفكار هارتموت روزا في مفهومه عن التسارع، الذي لا يقتصر على تغيّر الأشياء فحسب بل يتعداه إلى وتيرة تغيّرها بحيث تتجاوز قدرة الأفراد على التكيّف. عبر سرد أمثلة تاريخية وفكرية، من الثورة الصناعية إلى نموذج “الماكدونالديّة” لدى جورج ريتزر، يبيّن المقال كيف تحوّل الزمن إلى مورد يُقاس بالإنتاجية والكفاءة، فأصبح الوقت يُستغل بلا رحمة، والفراغ يُعدّ جُرمًا يستدعي شعوراً بالذنب.على مستوى البدائل، يعرض المقال حركات ومناهج مقاومة للسرعة بدءاً من حركة “الطعام البطيء” إلى مبادرات تقليل ساعات العمل التي أظهرت في بعض التجارب أنّ التباطؤ الذكي قد يرفع جودة الحياة والإنتاجية معاً. لا يغفل المقال أيضاً النقد الذاتي الموجَّه لحركات البطء، فكما يشير هارتموت روزا وكتاب مثل “في مديح البطء” لكارل أونوريه، قد تتحوّل بعض مظاهر البطء إلى رفاهية تسويقية لا تصلح لكل الفئات الاجتماعية، ما يوجب توجيه الدعوة إلى “بطء ذكي” قابل للتطبيق على نطاقات واسعة وبشكل بسيط ومتاح.

ثم يتوغل المقال في فكرة “الرنين” التي اقترحها روزا كبديل مفاهيمي لعلاقة صحية مع الزمن: الرنين ليس تباطؤًاٍ محضًا، بل تفاعلاً متبادلًا حيًّا مع العالم يحتاج إلى وقت، واستقرار، وانفتاح، وهشاشة تسمح بالاستجابة وتأثير متبادل. الرنين يختلف عن الاغتراب الذي تولّده السرعة، لأنه يتيح للفرد أن يشعر بأن العالم يُخاطبه ويستجيب له، حالة تتطلب مساحة زمنية ومناخًا اجتماعيًا غير قائم على الخوف وسرعة التلقّي فقط.

يناقش المقال أيضاً أبعاداً عملية: كيف يمكن أن يبدو “التباطؤ” في الممارسات اليومية والعمل والتعليم؟ يقترح أموراً بسيطة وملموسة: تخصيص دقائق للهدوء بعيداً عن الهواتف، إعادة تنظيم جداول العمل، تشجيع القراءة المتأنية، وإتاحة فرص للاختلاط والمشي والمحادثات غير الموجّهة بالنتائج. كما يُشير إلى تجارب سياسية واقتصادية (خفض ساعات العمل) التي قد تبدو في الظاهر تناقضاً مع منطق الربح، لكنها تُظهِر فوائد مجتمعية واقتصادية عند اختبارها بصورة موضوعية.

يبقى المقال واقعياً في نقده: لا يدعو إلى ردة عن التقدم أو رفض التكنولوجيا، بل يطالب بتعاطٍ واعٍ معها. إن دعوة المقال لـ ضدّ “عبادة السرعة”: لماذا علينا أن نبطئ هي مطالبة بإعادة التوازن بين الزمن كأداة إنتاج والزمن كمجال حياة، وإعادة وصل الإنسان بما حوله عبر ممارسات تتيح الرنين بدلاً من الاغتراب.

وفي خاتمة النص، يُقترح أن معالجة أزمة الزمن المعاصر تتطلب تغييراً بنيوياً في القيم المؤسساتية والاجتماعية، وليس مجرد تغييرات فردية أو منتجات تسويقية تُلبس اسم “البطء”.

هكذا، يقدم المقال مدخلاً غنيّاً بالأفكار والنماذج والنقاشات النقدية: يربط بين الفلسفة الاجتماعية والتحولات التكنولوجية والحركات الثقافية، ويقدّم دعوة عملية ومفهوماً متطوّراً للرغبة في “التباطؤ” الذي لا يُقدَّر على أنه ترف بل كاستراتيجية وجودية واجتماعية قابلة للتطبيق.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn