نُشر المقال في موقع الجزيرة، وجاء تحت عنوان «شهادة جامعية بلا عمل مضمون» بقلم أحمد يونس، ليقدّم تشريحًا اجتماعيًا واقتصاديًا دقيقًا لأزمة الشباب العربي بين وهم التعليم الجامعي وواقع البطالة القاسي.
في هذا المقال، يرسم الكاتب مشهدًا مؤلمًا لرحلة الطالب العربي منذ دخوله الجامعة وحتى خروجه منها إلى فراغٍ قاتمٍ من الفرص. يبدأ الحلم كبيرًا، مدعومًا بتضحيات الأهل وآمالهم، لكن لحظة التخرج تكشف الحقيقة الصادمة: الشهادة التي كانت تُعد بوابة المستقبل تحولت إلى ورقة لا تضمن أدنى مقومات العيش الكريم. يصف الكاتب بعمق شعور الخريج الذي يقف أمام أبواب موصدة، في سوق عملٍ مشبعٍ لا يعترف إلا بالمحسوبية أو بالخبرة المسبقة التي لا يمكن لمبتدئ أن يمتلكها.
ينتقل المقال إلى البعد الإنساني للأزمة، حين يتحول الخريج من شابٍ طموحٍ إلى إنسانٍ يائسٍ تلاحقه أسئلة الأهل والخيبات المتكررة. تتضاعف المعاناة مع اضطراره للعمل في مهنٍ لا تمت لتخصصه بصلة: طبيب أسنان يعمل في متجر، مهندس كهرباء يصبح سائقًا، وخريج علوم سياسية يفتح بقالة صغيرة. ويصف الكاتب كيف تتسلل خيبة الأمل إلى نفوس الشباب فتضعف ثقتهم بالعلم، حتى إن الأطفال في المدارس باتوا يسألون معلميهم ببراءة جارحة: «لماذا نتعلم إذا كان الخريجون بلا عمل؟».
يُحمِّل الكاتب المؤسسات التعليمية والحكومات مسؤولية هذا الواقع، مشيرًا إلى انقطاع الجسر بين الجامعة وسوق العمل. فالجامعات تواصل تخريج آلاف الطلبة في تخصصات مشبعة بلا دراسة دقيقة لاحتياجات السوق، بينما التخصصات التقنية والمهنية، التي قد تخلق فرصًا حقيقية، تبقى مهمشة. أما السياسات الحكومية، فتعاني من غياب الرؤية وتقصير في دعم القطاع الخاص أو تشجيع المبادرات الريادية.
ويمضي المقال في تحليل تداعيات البطالة على بنية المجتمع، محذرًا من تحوّلها إلى «قنبلة اجتماعية مؤجلة». فحين يفقد الشباب ثقتهم بالعلم وبجدوى العمل، يفقد المجتمع نفسه توازنه. تتزايد الهجرة، تتفكك الأسر، ويرتفع الشعور باللاجدوى، لتتحول الأزمة من اقتصادية إلى أخلاقية ونفسية.
ويختم الكاتب بمشهد مأساوي للبيت العربي المعاصر الذي يحاصره التضخم والبطالة معًا. الأسعار ترتفع، الإيجارات تتضاعف، والرواتب لا تكفي حتى لأبسط احتياجات الحياة. يربط بين الضغوط الاقتصادية وارتفاع معدلات الطلاق، موضحًا أن البطالة والتضخم لم يعودا مجرد أرقام في التقارير، بل جروحًا تمزق نسيج المجتمع وتفتك بعلاقاته الإنسانية.
إن مقال «شهادة جامعية بلا عمل مضمون» هو صرخة إنذار تُعبّر عن جيلٍ خُدع بحلمٍ نبيل اسمه التعليم، ليكتشف أنه يعيش في واقعٍ لا يكافئ الجهد ولا يحترم المعرفة، فيتحول الأمل بالمستقبل إلى عبءٍ ثقيل ينوء به الوطن وأبناؤه معًا.



