نُشر هذا المقال في مجلة The Atlantic بقلم الفيلسوف الأميركي جون كاغ، ويأتي على شكل قراءة فكرية معمّقة في أحدث كتب الفيلسوفة والروائية ريبيكا نيوبرغر غولدستين، The Mattering Instinct، حيث يتجاوز العرض الطابع النقدي التقليدي ليدخل في مساءلة وجودية شخصية تنطلق من تجربة الكاتب نفسه مع الهشاشة الجسدية ومعنى الحياة.
ينطلق جون كاغ من اعتراف صريح يتعارض مع الصورة النمطية للفلاسفة بوصفهم كائنات متصالحة مع الأسئلة الوجودية. يقرّ بأنه أمضى ثلاثة عقود وهو يهرب من هذه الأسئلة عبر انغماس مفرط في النشاط الجسدي، وكأن الجسد يمكن أن يكون ملاذًا من التفكير في الفناء والمعنى. غير أن تعرضه لتوقف مفاجئ في القلب في سن الأربعين شكّل لحظة انكشاف قاسية، أعادت طرح السؤال الجوهري الذي كثيرًا ما يتم تأجيله: ما الغاية من الوجود؟ وكيف يمكن للإنسان أن يبرر حضوره في عالم لا يبدي اكتراثًا بوجوده؟
في هذا السياق، يقدّم كتاب The Mattering Instinct إطارًا تفسيريًا جديدًا لهذا القلق الإنساني العميق. فغولدستين، بحسب كاغ، لا تنظر إلى هذا السؤال بوصفه نزوة فكرية أو أزمة شخصية عابرة، بل تعتبره عنصرًا بنيويًا في التجربة الإنسانية. الإنسان، كما تصفه، هو كائن مادي تحكمه قوانين الطبيعة الصمّاء، لكنه في الوقت نفسه يتوق لأن يكون ذا قيمة ومعنى. ومن هنا تتبلور فكرة غريزة الأهمية لدى الإنسان بوصفها التوتر المركزي الذي يشكّل وعيه وسلوكه وتطلعاته.
تسعى غولدستين، عبر هذا الكتاب، إلى سد فجوة معرفية في فهم الذات البشرية وفي تفسير الاضطرابات الفكرية والأخلاقية التي تميّز عصرنا. فهي تجمع بين الفلسفة والعلم والإنسانيات لتعيد صياغة سؤال الحياة الجيدة بعيدًا عن المفهوم الشائع للسعادة. السعادة، وفق هذا الطرح، ليست دائمًا ممكنة ولا يجب أن تكون المعيار الوحيد للحياة الناجحة. في المقابل، ترى أن الإنسان قادر، مهما كانت ظروفه، على أن يعيش حياة ذات قيمة من خلال السعي لخلق نظام ومعنى داخل عالم يتسم بالفوضى واللامبالاة.
يبرز المقال كيف أن هذا التصور لا ينفي المعاناة ولا يقلل من قسوة الواقع، بل يعترف بها بوصفها جزءًا لا يتجزأ من الوجود الإنساني. غير أن القيمة، وفق غولدستين، لا تُستمد من الشعور الدائم بالرضا، بل من الفعل الواعي الذي يمنح الأشياء والأشخاص والأفكار وزنًا أخلاقيًا ومعنويًا. بهذا المعنى، تصبح غريزة الأهمية لدى الإنسان قوة دافعة لإنتاج المعنى، لا مجرد تعويض نفسي عن هشاشة الكائن البشري.
يخلص جون كاغ إلى أن قوة الكتاب تكمن في قدرته على تحويل السؤال الوجودي من عبء شخصي إلى إطار تفسيري شامل، يربط بين التجربة الفردية والتحولات الثقافية الكبرى. فالتوق إلى أن يكون للحياة معنى ليس علامة ضعف، بل تعبير عن جوهر الإنسانية نفسها، وعن محاولة مستمرة لتنظيم العالم وإضفاء قيمة عليه، حتى في غياب أي ضمانات كونية.



