نُشر هذا المقال على موقع الملف الاستراتيجي ضمن قسم «اجتماع»، بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف، في سياق فكري يتقاطع فيه القلق الوجودي المعاصر مع أسئلة العلم والفلسفة والإيمان حول معنى التمنّي وحدوده الفعلية في التأثير على الواقع.
يقدّم المقال معالجة متزنة لمفهوم «قوّة التمنّي» بعيدًا عن الخطابات التبسيطية التي تُشيع وهم القدرة السحرية للرغبة الإنسانية. ينطلق الكاتب من تشخيص دقيق لانتشار هذا المفهوم في أزمنة الأزمات، حيث يتحوّل التمنّي إلى ملاذ نفسي يعوّض فقدان السيطرة، لا إلى أداة تغيير حقيقية. ومن هنا، يبني أطروحته على تفكيك هذا الادعاء عبر ثلاثة مسارات متكاملة: العلمي، الفلسفي، واللاهوتي، ليعيد الاعتبار إلى العمل وقوّة الإنسان بوصفهما جوهر الفعل المؤثر.
في البعد العلمي، يوضح المقال أن العلوم التجريبية لا تقرّ بوجود قوّة مستقلة للتمنّي قادرة على خرق قوانين الطبيعة أو التأثير المباشر في الأحداث. التأثير الحقيقي، كما يبيّن علم النفس، يقع داخل الإنسان نفسه: في تشكيل التوقّعات، وتوجيه الدافعية، وصوغ السلوك. التمنّي هنا ليس قوة خارقة، بل حالة ذهنية قد تقود إلى الفعل عبر ما يُعرف بالنبوءة التي تحقق ذاتها، حيث يصبح التغيير نتيجة سلوك واعٍ لا رغبة مجرّدة. بهذا المعنى، يُعاد توطين التمنّي ضمن إطار قوّة الإنسان بوصفه كائنًا فاعلًا لا متلقّيًا للأماني.
أما على المستوى الفلسفي، فيستحضر الأب عسّاف الموقف الأرسطي الذي يميّز بين الرغبة والانفعال من جهة، والإرادة العاقلة من جهة أخرى. الرغبة، ما لم تُهذَّب بالعقل وتُترجم إلى اختيار واعٍ، تبقى حركة داخلية بلا أثر واقعي. الواقع، وفق هذا المنظور، لا يُصنع بالتمنّي بل بالفعل الناتج عن قرار عقلاني. ويتعزّز هذا الموقف مع الفلسفة الكانطية التي تفصل بوضوح بين ما نرغبه وما يجب علينا فعله. القيمة الأخلاقية لا تنبع من التمنّي، مهما كان ساميًا، بل من الالتزام الواعي بالمسؤولية والواجب. وهنا تتكرّس فكرة أن العمل وقوّة الإنسان هما معيار التغيير، لا كثافة الأماني.
في الإطار اللاهوتي، يقدّم المقال تمييزًا مركزيًا بين التمنّي والرجاء. التمنّي، في حدّه الأدنى، قد يبقى حركة ذاتية منغلقة، بينما الرجاء هو ثقة فاعلة بالله لا تلغي العقل ولا تعفي الإنسان من السعي. الصلاة، وفق هذا الفهم، ليست أداة لفرض النتائج أو تجاوز الواقع، بل مسار داخلي لإعادة ترتيب الرغبات وتنقية النوايا، بما يعزّز قدرة الإنسان على المواجهة والعمل. الإيمان هنا لا يُقدَّم كبديل عن الجهد، بل كقوّة مرافقة له، تُضفي على العمل معنى وتحمّل الإنسان مسؤولية خياراته.
ويبلغ المقال ذروته حين يدمج هذه المسارات الثلاثة في خلاصة واضحة: التمنّي لا يُلغى ولا يُدان، لكنه يفقد قيمته إن لم يمرّ عبر العقل ويتحوّل إلى قرار، ثم إلى عمل.
في الرؤية الدينية التي يعرضها الكاتب، تُستثمر الرغبة حين تُنقّى بالرجاء وتُترجم إلى التزام عملي. النعمة لا تعمل بدل الإنسان، بل معه، والعالم لا يتغيّر بما نتمناه، بل بما نختار أن نفعله. هكذا، يعيد المقال الاعتبار إلى قوّة الإنسان بوصفها قدرة واعية على الفعل، لا مجرد حقل للأماني، ويضع التمنّي في موقعه الصحيح كمحرّك أولي لا كبديل عن العمل.



