نُشرت هذه المداخلة ضمن برنامج «نقطة على الحرف» الذي تبثه إذاعة «صوت كلّ لبنان»، حيث قدّم الأديب والشاعر هنري زغيب نصًا إذاعيًا عالي الكثافة الفكرية، يزاوج بين الرثاء، الشهادة، والاحتجاج الثقافي، وينطلق من وقائع معاصرة ليطرح سؤالًا تربويًا ووطنيًا شديد الإلحاح: ماذا يعرف أولادنا عن عباقرة لبنان في العالم؟
يبني زغيب مداخلته على ثلاث محطات دالّة: رحيل الدكتورة ماري بشير، اللبنانية الأصل وحاكمة ولاية نيو ساوث ويلز سابقًا، الإعلان عن مشروع فضائي جديد لعالِم الفضاء اللبناني شارل عشي في «ناسا»، وحديث أمين معلوف عن تحديث اللغة الفرنسية من موقعه كأمين عام الأكاديمية الفرنسية.
هذه الأسماء لا تُستدعى بوصفها أمثلة معزولة، بل كمدخل نقدي لطرح فجوة خطيرة بين الحضور العالمي للبنانيين المبدعين وغيابهم شبه الكامل عن الوعي التربوي المحلي.
ينتقل النص من التعداد إلى الاتهام المباشر للمنظومة التعليمية، متسائلًا كيف يمكن لتلامذة المدارس وطلاب الجامعات أن يعرفوا هذه القامات، فيما الكتب المدرسية تكاد تخلو من أي نص يُعرّف بها أو يضيء على إنجازاتها. يحمّل زغيب المسؤولية للمناهج التي لا تبادر إلى إدخال نصوص عن مبدعين لبنانيين عالميين، تُدرَّس وتُشرح وتُناقش، بما يسمح للناشئة بإدراك أن وطنهم ليس فقط ما يرونه في نشرات الأخبار من صراعات سياسية وصور مشوّهة.
ويُمعن الكاتب في توسيع الدائرة، مستحضرًا أسماء لبنانية مفصلية في تاريخ الإنسانية المعاصرة: حسن كامل الصباح في الابتكار التقني، مايكل دبغي في جراحة القلب، شارل مالك في صياغة شرعة حقوق الإنسان، داني توماس في العمل الإنساني الطبي، وصولًا إلى فيليب سالم، جورج شحادة، شكري غانم، وغيرهم من كوكبة لبنانية صنعت أثرًا عالميًا راسخًا. ويضع هذا الإرث في مواجهة واقع تربوي يصفه بأنه مليء بنصوص ضعيفة، غير محفّزة، تُنفّر التلامذة من لغتهم الأم بدل أن تُنمّي علاقتهم بها.
في جوهر النص، لا يرفض زغيب الحديث عن القرية أو التراث، لكنه يعترض على طريقة ومكان توظيفه، معتبرًا أن تقديم نصوص جامدة لتلامذة صغار دون ربطها بأفق معاصر وملهم، يساهم في إضعاف علاقتهم بالتعلّم وباللغة. ويخلص إلى أن وعي الأجيال الجديدة على عباقرة لبنان ليس ترفًا ثقافيًا، بل شرطًا أساسيًا لبناء الانتماء السليم، والخيال الخلّاق، والطموح الفردي، بعيدًا عن الانجراف خلف طبقة سياسية يعتبرها من بين الأسوأ عالميًا من حيث الوصولية والفساد.
بهذا المعنى، تتحوّل المداخلة من نص إذاعي إلى بيان تربوي ثقافي، يدعو إلى إعادة كتابة المناهج من زاوية الكرامة المعرفية، وربط التعليم بسير النجاح الحقيقي، لا بخطابات الانقسام والعقم.



