ذي اتلانتيك
في مفاجأة لافتة وسط توجهاتهم نحو الهندسة والعلوم، اكتشف أستاذ الأدب في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أنّ طلابه شكلوا مجموعة فنية تسمى “شعر الشعب” (The People’s Poetry)، بدأ ذلك بمجرد محادثة جماعية لتبادل القصائد، ثم تطوّر إلى لقاءات منتظمة خارج إطار الصف. رغم عبء المنهاج التقني، وجد هؤلاء الطلاب في الشعر متنفسًا للتعبير عن عواطفهم والتأمل في الطبيعة البشرية، كمحاولة لاستعادة الدفء والإنسانية وسط زحف التكنولوجيا وسيطرة الذكاء الاصطناعي.
هذا التلاقي بين التقنية والفن ليس بجديد على MIT؛ فقد شهدت في الستينيات سلسلة قراءات شعرية حملت عنوان “شعر من MIT”، استضافت شعراء مثل روبرت بن وارن، ودينيز ليفرتوف، وريتشارد ويلبور، سعياً لفهم التقاطع بين العلم والجمال.
يقول الشاعر W. S. Merwin إن الشعر يبدأ حين “تبدأ الكلمات في إطلاق ما يشبه الشحنة الكهربائية”، وهي لحظة حيوية يأسرها الشعر في عالم متشتّت ومليء بالضوضاء. فالقصيدة ليست مجرد تسجيل لنشاط بشري، بل هي تمثال حيّ نحتفظ به نحو المستقبل، حافظة للذكريات، وللتفاصيل الدقيقة لداخلنا.
كما يوضح هوراس في “أوديس” حين يشير إلى أنّ الأبطال يفقدون بصمتهم إذا لم يوثقهم شاعر. في عصر تنعّم فيه الذكاء الاصطناعي بسرعة وسهولة التعبير، كان الشعر يقاوم الاستنساخ اللغوي بكلماته المفاجئة والمبدعة، ويذكرنا بأنّ الأعمق فينا لا يمكن لآلة أن تشعره. الطلاب في MIT لا يكتبون الشعر فقط، بل يدمجونه أحيانًا مع التكنولوجيا والمشهد الطبيعي لإنشاء أعمال فريدة—مثل مشروع “مليا” Melia الذي يمزج الصوت البشري بالبيئة الطبيعية باستخدام خوارزميات—أو تحويل قصيدة إلى لوحات رقمية حيّة، أو إعادة بناء الذكريات في دار للمسنين عبر مشاريع موسيقية وشعرية مثل “طيور الأغنية” (Songbirds). بهذه الروح، يُقدّم شعر طلاب MIT نموذجًا حيًا للشعر—ليس كفن منسي، بل كتكنولوجيا للذاكرة والحياة، تذكّرنا أكثر بأننا بشرًا، في لحظة تتسارع فيها التكنولوجيا من حولنا.



