من قاعات الجامعة إلى سراب ميكي ماوس

نشر موقع Times of Malta مقالا بعنوان “Not all university degrees are made equal” تناول فيه إشكالية تزايد أعداد خريجي الجامعات مقابل ضعف القيمة العملية لشهاداتهم في سوق العمل.

يبدأ المقال من الواقع الذي يعيشه الطلاب عند دخولهم الحياة الجامعية، حيث يسود التفاؤل بأن السنوات التي سيقضونها في مقاعد الدراسة ستفتح أمامهم أبواب المستقبل. غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيرا من هؤلاء الخريجين يكتشفون عند التخرج أن شهاداتهم لا تضمن لهم سوى البطالة أو وظائف هامشية لا تحتاج في الأصل إلى مؤهل جامعي.

ولإضفاء بعد نقدي على هذه المعضلة، استعاد المقال تصريحات وزيرة التعليم البريطانية السابقة مارغريت هودج عام 2003، التي أطلقت حينها مصطلح “دورات ميكي ماوس” لتوصيف بعض البرامج الجامعية. وقد أوضحت الوزيرة أن هذه الدورات ليست بالصرامة الأكاديمية التي يتوقعها الناس، وأن الشهادة الناتجة عنها لا تملك في الغالب قيمة حقيقية في سوق العمل. والمقصود بهذا التعبير أن هناك برامج “ممتعة” أو “سهلة” للطلاب، لكنها عديمة الفائدة من حيث النتائج العملية، فهي أقرب إلى نشاط ترفيهي يُشبع رغبة آنية بالتعلم دون أن يجهز الطالب لمستقبل مهني حقيقي.

وقد شددت هودج على أن “تكديس الأعداد عبر دورات ميكي ماوس ليس أمرا مقبولا”، أي أن إنتاج المزيد من الشهادات عبر مسارات بلا جدوى عملية يشكّل هدرا للموارد وخداعا للطلاب وللمجتمع.

انطلق المقال من هذا الاستشهاد ليعكس أن المشكلة ليست محصورة في بريطانيا، بل هي ظاهرة عالمية تبرز في دول مثل مالطا حيث يظل النقاش السياسي محصورا في العدد المتزايد من الشهادات الجامعية، من دون التوقف عند نوعية البرامج الأكاديمية ومدى ارتباطها باحتياجات الاقتصاد. وللدلالة على خطورة الأمر، أورد المقال أرقاما من البرلمان البريطاني تشير إلى أن أكثر من 630 ألف خريج يعتمدون اليوم على المعونات الاجتماعية، ما يوضح أن السنوات الطويلة من التعليم لم تتحول إلى فرص عمل حقيقية أو مستوى معيشي لائق.ويضيف المقال أن المسألة ليست مقتصرة على الأفراد فقط، بل تنعكس أيضا على المجتمع ككل، لأن الموارد المادية والبشرية المتاحة للتعليم العالي محدودة.

فإذا تم استهلاك هذه الموارد في برامج ضعيفة الجدوى، فهذا يعني أن المجتمع يخسر فرصة توجيه طاقاته نحو تخصصات يحتاجها فعلا. فحتى لو اعترفنا بأن التعليم يحمل قيمة ذاتية تتجاوز البعد الوظيفي، فإن من الصعب إقناع دافعي الضرائب بتمويل مسارات أكاديمية أقرب إلى المتعة العابرة منها إلى الاستثمار طويل الأجل.وللتعبير عن عمق الفجوة، أورد المقال مثالا رمزيا عن طبيب يعمل سائق تاكسي في روما، ليعكس كيف أن الشهادة العليا لا تمنح بالضرورة مكانة مهنية أو فرصا تتناسب مع الجهد المبذول.

هذه الصورة الرمزية تهدف إلى إثارة التساؤل حول مصداقية المؤسسات التعليمية والوعود التي تقدمها لطلابها.ويخلص المقال إلى أن إصلاح هذا الواقع يتطلب إعادة النظر في أولويات التعليم العالي. فالكاتب يدعو إلى دعم التخصصات المرتبطة مباشرة بالفرص الاقتصادية، وإلى إعادة الاعتبار للتعليم الفني والمهني الذي ما زال يعاني من نظرة دونية في كثير من المجتمعات، رغم أنه في كثير من الأحيان أكثر ارتباطا بالاحتياجات الفعلية لسوق العمل. كما يشدد على أهمية تعزيز التدريب العملي الذي يمنحه أرباب العمل للطلاب، بحيث لا يبقى التعليم مجرد معرفة نظرية منفصلة عن التجربة الميدانية.

وفي الختام، يذكّر المقال بأن مجانية التعليم الجامعي في بعض الدول هي نعمة كبرى، لكنها في الوقت نفسه تحمل تكلفة عالية يتحملها المجتمع بأسره. ومن هنا، لا بد أن تكون هناك محاسبة اقتصادية وسياسية حقيقية لتوزيع الموارد التعليمية بشكل يضمن أن ما يُستثمر في تعليم الشباب يعود بفائدة ملموسة على الأفراد والاقتصاد، بدلا من أن يتحول إلى مجرد أرقام في سجلات التخرج بلا أثر في الواقع.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn