نشرت مجلة Harvard Business Review في السادس والعشرين من آب 2025 مقالاً لافتاً يعيد الاعتبار إلى ما يسمى بمهارات التعامل أو المهارات الناعمة، مؤكداً أنها باتت اليوم أكثر أهمية من أي وقت مضى في ظل التحولات العاصفة التي يشهدها سوق العمل.
فمع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي واعتماد المؤسسات على التقنيات المتقدمة، قد يظن البعض أن التفوق المهني صار مرهوناً حصراً بالمعرفة التقنية الدقيقة، غير أن الأبحاث الجديدة تكشف صورة مغايرة: ما يضمن التميز على المدى الطويل ليس فقط الخبرة التقنية، بل تلك القدرات الأساسية التي تمكّن الأفراد من التكيّف والتعلّم المستمر والعمل الجماعي.
الأبحاث التي قادها فريق من الخبراء، بينهم موح حسينيون وفرانك نيفكي وهجين يون وليتيان تشانغ، اعتمدت على دراسة شاملة ضمّت أكثر من ألف مهنة ومئات المهارات، واستندت إلى بيانات نحو سبعين مليون انتقال وظيفي. النتائج بيّنت أن الموظفين الذين يمتلكون قاعدة متينة من المهارات الأساسية، مثل الفهم القرائي، التفكير الرياضي، والقدرة على التعاون، يتمتعون بفرص أكبر للتطور الوظيفي. هؤلاء يتعلمون بسرعة أعلى، يحصلون على أجور أفضل، وينتقلون
إلى مناصب أكثر تقدماً، إضافة إلى أنهم يظهرون قدرة لافتة على مواجهة تقلبات السوق والانتقال بسلاسة بين الأدوار والقطاعات.
وتكمن القيمة الحقيقية لهذه المهارات في كونها توفر أساساً متيناً لاكتساب معارف جديدة في زمن يتبدل فيه المطلوب الوظيفي بوتيرة سريعة.
فالموظف الذي يجيد التواصل والعمل مع الآخرين، ويمتلك مرونة فكرية وعاطفية، يستطيع أن يواكب التغيرات التنظيمية ويشكّل عاملاً داعماً للتطور داخل مؤسسته.
هذا ما يجعلها في النهاية أكثر قيمة من المهارات التقنية المتخصصة، التي قد تفقد جدواها مع مرور الزمن أو تغير التكنولوجيا.بهذا المعنى، يطرح المقال دعوة واضحة لكل من الأفراد والمؤسسات: الاستثمار في تنمية المهارات الأساسية لم يعد خياراً ثانوياً، بل ضرورة استراتيجية لبناء مسارات مهنية مستدامة ولمواجهة عالم يتغير بسرعة غير مسبوقة.



