منذ اندلاع الأزمة المالية في لبنان عام 2019، بادرت الكنيسة السريانية إلى خطوة استثنائية أثبتت مع مرور السنوات أنها خيار استراتيجي لحماية حق أبنائها في التعلم.
فقد أعلنت عن تحمّلها كامل الأقساط المدرسية في المؤسسات التابعة لها، وهي: مدرسة مار أفرام السريانية في سدّ البوشرية، مدرسة سيدة النجاة في زحلة، مدرسة القلبين الأقدسين في جديدة المتن، ومدرسة راهبات مار يعقوب السريانيات في بدارو قرب المتحف. ست سنوات متواصلة والكنيسة تغطي العبء بالكامل عن الأهالي، ما جعل هذه المدارس مساحة أمان تربوي لعشرات العائلات التي كانت مهددة بحرمان أولادها من التعليم.
المبادرة لم تكن ظرفية أو مرتبطة بسنة واحدة، بل تحولت إلى نهج ثابت يعكس رؤية واضحة: التعليم حق لا يجوز إخضاعه لابتزاز السوق أو تقلبات العملة. هذا الثبات منح ثقة مضاعفة للأهالي ورسالة إلى المجتمع بأن المؤسسات الدينية قادرة على لعب دور إنقاذي حقيقي عندما تضع إمكاناتها في خدمة الناس.
اليوم، ومع ارتفاع الأقساط في معظم المدارس الخاصة إلى مستويات خيالية تتجاوز أحيانًا سبعة آلاف دولار للتلميذ، يبرز السؤال الطبيعي: لماذا لا تُعمَّم هذه التجربة على مؤسسات تربوية أخرى مرتبطة بمرجعيات دينية ومذهبية مختلفة، تمتلك بدورها موارد وقدرات واسعة؟ إذا كان من الممكن لمؤسسة دينية أن تحمي أبناءها طوال ست سنوات من أخطر أزمة مالية عرفها لبنان، فما المانع أن تُستنسخ التجربة وتُحوّل إلى شبكة تضامنية أوسع تُعيد للتعليم معناه كحق جماعي لا امتياز طبقي؟
بهذا المعنى، مبادرة الكنيسة السريانية لم تُسجَّل فقط كإنجاز لجماعتها، بل كدعوة مفتوحة لكل المؤسسات الدينية والتربوية في لبنان كي تتحمل مسؤولياتها، وتضع التعليم في قلب رسالتها الاجتماعية والوطنية، بدل تركه ساحة للانقسام والتمييز.
أما عن إصلاح المدرسة الرسمية لتصبح خيار لا اضطرار فحدّث بلا حرج!



