إبستين وبازوليني والماركيز دو ساد: حين يكشف الأدب والفلسفة جوهر السلطة| استعراض مقال طارق ابي سمرا في ميغافون

نُشر مقال “إبستين وبازوليني والماركيز دو ساد” للكاتب طارق أبي سمرا في موقع ميغافون بتاريخ 12 شباط 2026، وهو نص تحليلي يتجاوز السجال الإعلامي حول قضية جيفري إبستين ليطرح سؤالاً فلسفياً عميقاً عن طبيعة الشرّ، وحدود الأخلاق، وعلاقة السلطة بالسادية، مستعيناً بثلاث مرجعيات فكرية وأدبية: أفلاطون، بازوليني، والماركيز دو ساد.

يفتتح المقال بفرضية “الخاتم السحري” الواردة في “الجمهورية” لأفلاطون، حيث يصبح الإنسان غير مرئيّ، وبالتالي خارج نطاق العقاب والمساءلة. هذا المدخل الفلسفي يؤسس لفكرة محورية في النص: هل الأخلاق نابعة من ضمير داخلي، أم أنها مجرد التزام مشروط بالخوف من العقاب؟ يضع الكاتب هذه الفرضية في سياق معاصر عبر ربطها بقضية جيفري إبستين، معتبراً أن اجتماع المال والسلطة والنفوذ يشكّل النسخة الواقعية لذلك الخاتم السحري، إذ يخلق إحساساً بالإفلات من العقاب يسمح بارتكاب الجرائم في الخفاء.

ينتقل المقال إلى مناقشة القراءات المختلفة لقضية إبستين. بعض القراءات، كما يشير الكاتب، اكتفت بإدانة “الغرب الفاسد” أو الرأسمالية الإمبريالية بخطاب تبسيطي. في المقابل، قدّمت قراءات أكثر عمقاً تفسيراً بنيوياً يربط الجريمة بالرأسمالية، والهيمنة الذكورية، وبنية السلطة التي تسمح بتحويل الأجساد إلى أدوات استهلاك. في هذا السياق، يستعرض المقال المقارنة المتكررة بين جزيرة إبستين وفيلم “سالو أو 120 يوماً من سدوم” (1975) لبيار باولو بازوليني، المستوحى من رواية للماركيز دو ساد.

الفيلم، كما يوضح النص، يُقرأ عادة كنقد للفاشية والرأسمالية معاً، بل كفضح للفاشية الكامنة في جوهر الرأسمالية نفسها، حيث تتحول السلطة إلى أداة للهيمنة على الجسد واستهلاكه. هنا تبدو المقارنة بين جزيرة إبستين وعالم “سالو” كاشفة لطبيعة السلطة حين تتركز في أيدي قلّة نافذة: سادية، استغلال، واستباحة كاملة للضحايا.

غير أن المقال يحدث انعطافة حاسمة عندما يقارن قضية إبستين لا بفيلم بازوليني الرمزي، بل برواية “أيام سدوم الـ120” للماركيز دو ساد. في هذا التحول، ينتقل النقاش من التأويل الرمزي إلى القراءة الحرفية. فبينما كان بازوليني فناناً ملتزماً يسعى إلى نقد بنية السلطة عبر المجاز، فإن دو ساد، بحسب تبسيط الكاتب، يدافع عن فلسفة تعتبر أن الرغبات التي يصنفها المجتمع والدين كشريرة هي في حقيقتها طبيعية، وأن الإنسان ينبغي أن يسعى لإشباعها ليبلغ السعادة.

هنا تصبح المقارنة أكثر قسوة: أربعة أثرياء نافذين يحتجزون مراهقين ويمارسون عليهم أقصى درجات العنف الجنسي لمجرد أنهم يستطيعون. لا مجاز، لا رمزية، لا بنية اجتماعية مختبئة خلف السطح. المعنى مباشر: القوة حين لا تُردَع، تتحول إلى استباحة. ومن هذا المنظور، فإن قضية إبستين، كما يعيد المقال صياغتها، ليست فقط عرضاً لمرض اسمه الرأسمالية أو الهيمنة الذكورية، بل تكشف احتمالاً أبسط وأشد إزعاجاً: هذا ما قد يفعله كثير من البشر إذا اطمأنوا إلى الإفلات من العقاب.

بهذا المعنى، يعيد مقال إبستين وبازوليني والماركيز دو ساد توجيه النقاش من تحميل النظام وحده مسؤولية الجريمة، إلى مساءلة الطبيعة البشرية نفسها. فالمال والسلطة، وفق هذا الطرح، ليسا أصل الشر، بل ما يتيح له أن يظهر بلا قيود. وهنا تكمن خطورة الفكرة: القراءات البنيوية قد تريحنا لأنها تضع الشر خارجنا، في النظام، في الأيديولوجيا، في الرأسمالية، بينما القراءة التي يستبطنها النص تعيد الشر إلى الداخل، إلى الإنسان ذاته.

لا يرفض الكاتب التفسير السياسي والاجتماعي، بل يحذر من الاكتفاء به. فلا يمكن فهم جرائم إبستين دون الإشارة إلى الرأسمالية والهيمنة الذكورية، لكن لا يمكن أيضاً تجاهل البعد الأنثروبولوجي المتعلق بالشر الكامن في الإنسان. وفي زمن بات فيه الحديث عن “الطبيعة البشرية” و”الشر المتأصل” موضع استهجان فكري، يأتي هذا المقال ليعيد فتح الملف بصراحة فلسفية صادمة.

بهذا الطرح، يتحول إبستين وبازوليني والماركيز دو ساد من مجرد تعليق على فضيحة سياسية-جنائية، إلى نص تأملي في علاقة السلطة بالأخلاق، وفي السؤال الأبدي: ماذا يفعل الإنسان حين يتيقن أن أحداً لن يحاسبه؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn