إسرائيل تفقد عقولها: قراءة تحليلية في هجرة النخب

نُشر هذا المقال في موقع شبكة الجزيرة الإعلامية ضمن قسم الآراء – إسرائيل، بتاريخ 6 كانون الثاني/يناير 2026، بقلم الكاتب والإعلامي الفلسطيني سيف الدين موعد.يقدّم مقال «إسرائيل تفقد عقولها» قراءة تحليلية عميقة لظاهرة هجرة العقول من إسرائيل، متجاوزًا المقاربة الإحصائية البحتة إلى تفكيك السياق البنيوي والسياسي والتاريخي الذي يجعل من هذه الظاهرة مؤشرًا على أزمة أعمق تطال جوهر المشروع الصهيوني نفسه.

ينطلق الكاتب من تقرير مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي وما كشفته صحيفة “هآرتس” حول تصاعد هجرة النخب الأكاديمية، ولا سيما بعد السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، ليؤكد أن المسألة لا يمكن فهمها كحراك مهني طبيعي في سوق معرفي عالمي، بل كتحول دالّ على تآكل القدرة الداخلية على إنتاج المستقبل.

يربط المقال بين المعرفة بوصفها وظيفة استعمارية في المشروع الصهيوني وبين العسكرة والهيمنة، مذكّرًا بأن الجامعات ومراكز البحث كانت منذ البدايات جزءًا من البنية التشغيلية للدولة الاستيطانية، تخدم التوسع والسيطرة الأمنية والتفوق العسكري.

كما يوضح كيف شكّل التحالف البنيوي مع الولايات المتحدة مظلة معرفية مكّنت إسرائيل من تعويض هشاشتها الديمغرافية والجغرافية، قبل أن يُعاد تسويق هذا النموذج عالميًا تحت سردية “دولة الشركات الناشئة”، التي أخفت دور العسكرة والتمويل الغربي ونزعت الابتكار من سياقه الاستعماري.

في هذا الإطار، يشرح الكاتب لماذا لم تكن “هجرة العقول” مصدر قلق وجودي لإسرائيل في مراحل سابقة، قبل أن تتغير المعادلة بفعل تراكب مسارات بنيوية متداخلة. أول هذه المسارات هو الانقسام العميق داخل المجتمع الإسرائيلي بين التيار العلماني-الليبرالي والتيار القومي-الديني والحريدي، وما نتج عنه من اختلال في “العقد الاجتماعي”، خصوصًا في ما يتعلق بالخدمة العسكرية وتقاسم الأعباء.

هذا الاختلال، كما يبيّن المقال، دفع كثيرًا من الباحثين والمهندسين إلى اعتبار الهجرة موقفًا سياسيًا بقدر ما هي قرار مهني، احتجاجًا على تآكل المساواة وتراجع دورهم في تحديد معنى الدولة واتجاهها.

المسار الثاني يتمثل في انكسار سردية الأمن بعد السابع من أكتوبر، حيث فقدت إسرائيل قدرتها على تسويق نفسها كقلعة منيعة، حتى داخليًا. الحرب الممتدة على غزة، والتوتر مع لبنان، والاحتكاك مع إيران واليمن، أعادت طرح أسئلة وجودية حول الاستنزاف طويل الأمد، وهو ما يجعل التخطيط لمسار علمي وبحثي مستقر داخل إسرائيل أمرًا بالغ الصعوبة.

أما المسار الثالث، فيرتبط بتدهور صورة إسرائيل الدولية، ولا سيما داخل الأوساط الأكاديمية الغربية، مع تصاعد حملات المقاطعة والاحتجاجات الطلابية، وتحول الشراكات البحثية إلى عبء أخلاقي وسياسي ينعكس مباشرة على سمعة الباحثين الإسرائيليين.

يخلص المقال إلى أن إسرائيل تفقد عقولها ليس بوصفه توصيفًا ديمغرافيًا محدودًا، بل كعنوان لأزمة مشروع، حيث يؤدي نزيف المعرفة إلى تآكل القدرة على تجديد السردية والمؤسسات وإعادة إنتاج التفوق ذاته.

ويعزز الكاتب طرحه بمقارنات تاريخية مع الاتحاد السوفياتي وجنوب أفريقيا، معتبرًا أن هجرة النخب غالبًا ما تسبق التحولات الكبرى وانهيار النماذج غير القابلة للاستدامة. وفي الحالة الإسرائيلية، تتضاعف خطورة الظاهرة بسبب الطبيعة الوظيفية للكيان، واعتماده البنيوي على التفوق المعرفي والديمغرافي معًا.

كما يربط المقال بين الهجرة المعرفية والهجرة السكانية الأوسع، موضحًا أن تراجع “الجاذبية الديمغرافية” يضرب أحد أعمدة المشروع الصهيوني، الذي قام تاريخيًا على الربط العضوي بين تجميع السكان واحتلال الأرض. وفي ظل تقارب الكتل السكانية في فلسطين التاريخية، والانقسامات الحادة داخل المجتمع اليهودي نفسه، تصبح هجرة العلماء التعبير الأكثر حساسية عن أزمة وجودية مفتوحة، لا يمكن للقوة العسكرية وحدها معالجتها.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn