نشرت الجزيرة نت مقالًا بعنوان “مبتكر الويب نادم لتركه مجانياً”، يعرض فيه رؤية مبتكر الشبكة العنكبوتية تيم بيرنرز-لي حول تجربته التاريخية في تصميم الويب وتداعيات قراره بجعل هذا الابتكار متاحًا بلا مقابل. المقال يفتح نافذة واسعة على مزيج من الفخر والخيبة، إذ يعترف بيرنرز-لي بأنه لو كان قد تبنى نموذجاً مالياً منذ البداية، لكان شكل الإنترنت مختلفاً وربما أكثر عدلاً واستدامة من صورته الحالية.
في استعراضه، يوضح المقال أن بيرنرز-لي لم يكن يسعى وراء الثروة حين ابتكر الويب، بل كان همه الأساسي نشر المعرفة وتسهيل التعاون العلمي عبر الجامعات والمراكز البحثية. غير أن قرار جعل الويب مجانياً أدى إلى توسع لا مثيل له، لكنه في الوقت نفسه فتح الباب أمام الشركات العملاقة لتحتكر الموارد الرقمية وتحوّل الإنترنت إلى مساحة تجارية قائمة على الإعلانات، تتلاعب فيها الخوارزميات بسلوك المستخدمين وتوجّه أنظارهم بما يخدم المصالح الاقتصادية.
يبرز النص أيضاً حسرة بيرنرز-لي من أن الإنترنت، الذي كان من المفترض أن يكون أداة للحرية والتشارك، أصبح في كثير من جوانبه فضاءً للاستغلال وجمع البيانات. لكنه لا يتوقف عند حدود الندم، بل يقترح بدائل إصلاحية، مثل بناء بيئة ويب أكثر إنصافاً من خلال مشروعات مفتوحة المصدر ومبادرات تعيد للمستخدم السيطرة على بياناته، وتضمن توازناً بين الحرية الفردية والاستدامة الاقتصادية.
المقال يتعمق كذلك في سؤال جوهري: هل كان يمكن أن يسلك الويب مساراً مختلفاً لو أن مبتكره فرض رسوماً أو نموذج ترخيص منذ البداية؟ الجواب ليس بسيطاً، إذ ربما كان ذلك سيبطئ من انتشاره، لكنه كان سيمنع تمركز السلطة الرقمية بيد قلة من الشركات. هنا يظهر البعد الفلسفي في حديث بيرنرز-لي عن العلاقة بين الابتكار والعدالة، حيث يرى أن القرارات المبكرة التي اتخذها المبتكرون لا تؤثر فقط على التقنية، بل ترسم أيضاً مسار الاقتصاد الرقمي والمجتمعات بأكملها.
بهذا يقدم المقال صورة مركبة عن مبتكر الويب نادم لتركه مجانياً، ليس كإقرار بالخطأ، بل كوقفة مراجعة تاريخية تحاول أن توازن بين المثالية التي رافقت ميلاد الإنترنت والواقع الذي صنعته السوق لاحقاً.



