نشر موقع Times Higher Education مقالاً للباحث الأكاديمي آدم ريجلي دعا فيه إلى إعادة التفكير جذرياً في مفهوم العدالة والتنوع والشمول داخل الجامعات.
فبرغم كل الخطاب الاحتفائي الذي تتبناه المؤسسات الأكاديمية حول دعم الأقليات العرقية والجندرية، يبقى عامل الطبقة الاجتماعية شبه غائب، وكأنه تفصيلة ثانوية لا تستحق الذكر.
هذه المفارقة هي التي دفعت الكاتب إلى طرح سؤاله الاستفزازي: كيف يمكن لمؤسسة تدّعي الانفتاح والعدالة أن تتجاهل البعد الطبقي الذي يحدد، في جوهره، فرص التعليم والانخراط في البحث العلمي؟يستعيد ريجلي سيرته الشخصية ليمنح مقاله صدقية إضافية، إذ يروي كيف كان أول شخص في عائلته يلتحق بالجامعة قادماً من بيئة فقيرة لم تكن ترى في المهن الإبداعية أو الأكاديمية أي مستقبل. التعليم بدا آنذاك كالسلم الوحيد للصعود الاجتماعي، لكنه اكتشف لاحقاً أن النجاح الأكاديمي لا يحرر المرء من الأحكام المسبقة ولا من القواعد الخفية التي تحدد من يملك شرعية الانتماء.
ففي الاجتماعات العلمية أو قاعات المحاضرات، تتسلل إشارات دقيقة عن اللهجة والمظهر والثقة بالنفس لتصبح معياراً ضمنياً يرسخ امتياز الطبقات الميسورة ويقصي من لا يشاركهم هذا الرصيد الثقافي.
الكاتب يذهب أبعد من مجرد وصف الظاهرة، ليكشف عن التناقض الصارخ في الخطاب الأكاديمي. فالمؤسسات الجامعية التي تمتلئ مناهجها بدروس حول ما بعد الاستعمار والدراسات النسوية والعدالة العرقية، تصمت حين يتعلق الأمر بالطبقة الاجتماعية.
بل إنها، في أحسن الأحوال، تُخفيها تحت عبارات مبهمة مثل “الفئات الضعيفة” أو “الطلاب المحرومين”، من دون الاعتراف بأن الانتماء الطبقي هو في حد ذاته آلية إقصاء بنيوية. وهكذا يصبح الحديث عن الشمولية ناقصاً ومبتوراً، لأنه يتجاهل العامل الأكثر تأثيراً في رسم الحدود بين من ينتمي ومن يبقى على الهامش.
ويعرض ريجلي صوراً حية من واقع طلابه: شباب موهوبون ولامعون يشعرون بأنهم غرباء في النقاشات الصفية، يفتقدون الثقة للتعبير بحرية، يقلقون من طريقة كلامهم أو من ملابسهم، ويخشون أن يُنظر إلى أفكارهم على أنها “غير ذكية بما يكفي”.
هنا لا نتحدث عن فجوة في القدرات، بل عن مناخ ثقافي كامل يكافئ الطلاقة المسبقة ويحبط من لا يملكها. وحين يصل هؤلاء الطلاب إلى الدراسات العليا، تتضاعف الفجوة. فالموارد المالية غير متوازنة، والشبكات الأكاديمية مغلقة، والمناهج الخفية للمهنة، مثل المشاركة في المؤتمرات أو فرص التعاون، تبقى محتكرة من قبل من يعرفون القواعد مسبقاً، أي أبناء الطبقات الميسورة.
المقال يضع إصبعه على جوهر المشكلة: نحن أمام بنية أكاديمية تعيد إنتاج الامتياز الطبقي حتى وهي ترفع شعار المساواة. فالتنوع الذي لا يعترف بالطبقة الاجتماعية ليس سوى واجهة جزئية، والعدالة التي لا تلتفت إلى أثر الخلفية الاقتصادية تظل قاصرة.
ومن هنا فإن ريجلي لا يكتفي بالتشخيص، بل يطالب الجامعات بجرأة سياسية وإدارية: إدراج الطبقة الاجتماعية كفئة مستقلة ضمن سياسات العدالة والتنوع والشمول، وإعادة النظر في أدوات الدعم والتمويل والتوجيه بحيث لا تبقى حكراً على من ورثوا رأس المال الثقافي والاجتماعي.
في النهاية، تبدو دعوة الكاتب كاختبار جدي لصدقية الجامعات نفسها. فإما أن تظل المؤسسات الأكاديمية أسيرة خطابها الجميل لكنها المنقوص، وإما أن تتحلى بالشجاعة للاعتراف بأن الانتماء الطبقي هو أساس يحدد فرص التعليم والانخراط، ومن ثم تُعيد صياغة معاييرها بحيث تكون العدالة شاملة فعلاً، لا مجرد شعار يتكرر في الاستراتيجيات السنوية.



