التعليم في عامين فقط: كيف تغيّر كلية المؤسسين مفهوم الجامعة؟

نُشر هذا المقال في موقع Inside Higher Ed بتاريخ التاسع من أكتوبر 2025 بقلم كارولاين جنتل-جينيتي، التي تناولت تجربة فريدة في التعليم العالي أطلقتها جامعة بتلر في ولاية إنديانا تحت اسم كلية المؤسسين، لتقدّم نموذجًا جديدًا في مواجهة تراجع الإقبال على التعليم الجامعي في الولاية والولايات المتحدة عمومًا.

ترى الكاتبة أنّ هذا المشروع لا يقتصر على إنديانا، بل يمثّل فكرة وطنية عاجلة: إعادة تعريف معنى الشهادة الجامعية في زمنٍ تتغير فيه طبيعة العمل بسرعة. فالمطلوب اليوم ليس مجرّد شهادة تثبت إتمام المقررات، بل تعليم يُنتج قيمة حقيقية للطالب وللسوق معًا.

ومع الانخفاض الحاد في معدّل الالتحاق بالجامعات إلى ما يقارب 51%، برزت كلية المؤسسين كمحاولة عملية لإنقاذ العلاقة بين الجامعة وسوق العمل.

تقدّم الكلية تجربة مختلفة عن النموذج التقليدي الذي يمتدّ لأربع سنوات، إذ ينجز الطالب دراسته خلال عامين فقط من خلال ستة فصول دراسية مكثّفة، تُقدَّم فيها المهارات النظرية والعملية منذ البداية. هذا التغيير لا يعني تقليص المحتوى أو خفض المعايير، بل إعادة تنظيم الزمن الأكاديمي بطريقة تجعل كل فصل يضيف قيمة مباشرة لمسار الطالب المهني.

فالبرامج مصممة لتزويد الدارس بمهارات التواصل، وبناء الهوية المهنية، والاستعداد النفسي والمعرفي لدخول سوق العمل، وكل ذلك وفق معايير معترف بها لضمان انسجام التخصصات مع حاجات القطاعات المنتجة في الولاية. وتُركّز الكلية على المهارات التي يحتاجها أصحاب العمل فعلًا، فتتحوّل الدراسة من مسار نظري مغلق إلى تجربة تكوينية موجهة نحو التطبيق والفرص العملية.

تأتي هذه التجربة في وقتٍ يشهد فيه اقتصاد إنديانا نموًا ثابتًا بمعدل يتجاوز 3%، لكن الشركات تعاني نقصًا في الكفاءات، خصوصًا في مجالات الصحة والخدمات التقنية والصناعة المتقدّمة. لذلك يكتسب نموذج كلية المؤسسين أهمية مضاعفة، فهو يدمج التعليم بالتدريب المهني، ويضمّن الدعم النفسي والاجتماعي والإرشاد الوظيفي في صلب العملية التعليمية، لا على هامشها. كما خُفِّضت تكاليف الدراسة إلى مستويات شبه خالية من الديون، ما يجعل التعليم الجامعي أكثر عدلاً وإتاحةً للطبقات المتوسطة والفقيرة. بهذا الشكل، لا يعود النجاح حكرًا على من يملكون القدرة المادية، بل يصبح النظام نفسه مصممًا لإتاحة الفرص للجميع.

الكلية لم تُبنَ في فراغ، بل استندت إلى خلاصات تقارير دولية كبرى دعت إلى ربط التعليم باحتياجات سوق العمل ومواكبة التحول الرقمي السريع. فهي تستجيب لتحديات الشيخوخة الديموغرافية وثورة الذكاء الاصطناعي عبر تعليم يجمع بين المعرفة العامة والمهارات التقنية، ويُعِدّ الطالب لوظائف المستقبل التي تتطلب تفاعل الإنسان مع الآلة بذكاء ومرونة. وتشمل المناهج تدريبات على الكتابة التطبيقية، والتأهيل الرقمي، والحصول على شهادات مهنية متخصّصة، إضافة إلى تجارب عملية بإشراف مباشر من أساتذة وخبراء من قطاعات الإنتاج.

كما تمنح الكلية شهادات مرحلية خلال المسار الدراسي، ما يمنح الطالب شعورًا بالإنجاز والقيمة في كل محطة، ويعزّز ثقته بأن جهده يثمر بشكل متواصل.

وتربط الكاتبة هذه التجربة بالتحولات السكانية في الولايات المتحدة، إذ يتوقّع أن تشهد ولايات الجنوب زيادة في عدد الطلاب بفضل التركيبة الشابة والمتنوّعة سكانيًا، فيما تواجه ولايات الغرب الأوسط مثل إنديانا انخفاضًا في عدد المتخرّجين من المدارس الثانوية وهجرة العائلات الشابة، ما يجعل نماذج التعليم المرنة أكثر إلحاحًا. في هذا السياق، تمثّل كلية المؤسسين درسًا عمليًا لبقية الجامعات: فبدل الاكتفاء بجذب طلاب جدد، يجب إعادة ابتكار معنى الجامعة لتكون مساحة للمهارة والعمل والتطور الاجتماعي.

وتدعو الكاتبة الجامعات الأخرى إلى استلهام هذه التجربة، لأن المستقبل سيتجه نحو المؤسسات التي تمنح شهاداتها قيمة حقيقية في حياة الناس. فإنديانا، عبر كلية المؤسسين، قد تكون وجدت الطريق الذي يعيد الثقة بالتعليم الجامعي كوسيلة للنهوض الشخصي والاقتصادي معًا.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn