نشرت مجلة Times Higher Education في 28 أغسطس 2025 مقالا للباحث Martin A. Mills بعنوان “Replaced by bots? No, AI needs academics more than we need it”، تناول فيه العلاقة المعقدة بين الذكاء الاصطناعي والأكاديميا. يشير الكاتب إلى أن المخاوف من أن تحل الروبوتات محل الجامعات أو الأساتذة ليست جديدة، بل برزت بحدة مع الأزمة المالية التي عصفت بمؤسسات التعليم العالي في المملكة المتحدة، ما أفسح المجال أمام جدل متصاعد: هل يشكّل الذكاء الاصطناعي تهديدًا للغرض البشري والمهارات الأساسية، أم أنه مجرد خطوة طبيعية في تطور المجتمع الرقمي تعمل على سد الثغرات بكفاءة أكبر؟
يحذر المقال من الانجرار وراء موجة الحماس الاستثماري الحالي للذكاء الاصطناعي، ويقارنها بفقاعات سابقة مثل الدوت كوم أو الرهون العقارية، التي انتهت بانهيارات كبرى. ويرى أن الجامعات ينبغي أن تتعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس كعامل خارجي مفروض، بل كنتاج نشأ أصلًا من داخل بيئتها البحثية.
من هنا، يصبح دور الأكاديميين أساسيًا في تحديد كيف يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التعليم والبحث بدلاً من أن يستبدلهما.كما يلفت الكاتب إلى الأبعاد البيئية والمالية الضخمة لهذه التكنولوجيا، إذ يستهلك كل طلب عبر أدوات مثل Google Copilot نحو 7 إلى 9 واط·ساعة، وهو ما يعكس حجم التكلفة غير المرئية. ومع الاستثمارات الهائلة التي تضخها شركات كبرى مثل Softbank في OpenAI، يبدو الذكاء الاصطناعي اليوم أشبه بمرحلة يقودها فائض مالي أكثر مما تقوده استدامة تقنية.المقال يشدد أيضًا على أن الذكاء الاصطناعي يستند بالكامل إلى البيانات البشرية، أي أن الإنسان يظل بمثابة “النظام العصبي” الذي يمده بالمعنى والمحتوى.
الخطر الحقيقي برأي الكاتب يكمن في ظاهرة “الالتهام الذاتي”، حين يبدأ الذكاء الاصطناعي في إعادة تدوير مخرجاته الخاصة بدلًا من الاعتماد على إنتاج بشري جديد، ما يؤدي إلى تراكم الأخطاء وانهيار سريع في الجودة.
ويخلص المقال إلى أن الحل يكمن في إعادة التأكيد على قيمة الإبداع البشري والموضوعية والأصالة، ووضع ضوابط جديدة على استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم العالي، سواء عبر منع الاعتماد الكامل على النماذج العامة أو عبر فرض آليات تحقق تضمن أصالة الكتابات الأكاديمية. وفي النهاية، يرى الكاتب أن الذكاء الاصطناعي في جوهره يحتاج إلى الأكاديميين أكثر مما يحتاجون هم إليه، وأن مستقبل المعرفة سيُبنى على صيغة تكاملية بين الإنسان والآلة لا على صراع يلغي أحدهما الآخر.



