السرد القصصي من الصف إلى سوق العمل: المهارة التي تجاوزت السيرة الذاتية

نُشر هذا المقال على موقع Forbes بقلم الكاتبة Sarah Hernholm، ويتناول تحوّلًا عميقًا في معايير الجاهزية المهنية، حيث لم تعد الكفاءة التقنية أو القدرة على تحليل البيانات كافية وحدها، بل بات السرد القصصي مهارة محورية تُطلب صراحة في توصيفات الوظائف، وتُعدّ اليوم امتدادًا مباشرًا للسيرة الذاتية التقليدية.

ينطلق المقال من ملاحظة باتت شائعة في الأوساط التعليمية والمهنية على حد سواء: الشركات تبحث عن أشخاص لا ينجزون العمل فقط، بل يستطيعون شرحه، وتوضيح أهميته، وربط نتائجه بسياق أوسع. ويستشهد المقال ببيانات من LinkedIn تُظهر تضاعف الإشارات إلى “storytelling” في إعلانات الوظائف الأميركية خلال عام واحد فقط، مع أكثر من 70 ألف وظيفة في مجالات التسويق والاتصال تطلب هذه المهارة صراحة.

هذا التحول لا يعكس موضة لغوية، بل تغييرًا بنيويًا في طريقة تقييم القيمة المهنية للأفراد.يوضح المقال أن السرد القصصي لا يبدأ عند باب التوظيف، بل يتشكل في وقت مبكر جدًا، وغالبًا من خلال تجربة “مقال القبول الجامعي”.

فالكتابات التي تترك أثرًا ليست تلك التي تسرد الإنجازات، بل التي تشرح السياق، الصعوبة، والتحوّل الشخصي. غير أن الإشكالية، كما تشير الكاتبة، تكمن في أن هذا التدريب يُختزل في لحظة واحدة، ثم يُهمل، وكأن السرد مهارة مرتبطة فقط بالقبول الجامعي لا بالحياة المهنية.تنتقد Hernholm الفصل المصطنع بين مهارات التواصل داخل المدرسة.

فالكتابة تُحصر في حصة اللغة، والعرض الشفهي في تقديم عرض عابر، والاستعداد المهني في ورشة قصيرة عن السيرة الذاتية. هذا التفكيك يمنع الطلاب من إدراك أن السرد القصصي هو الخيط الناظم بين التفكير، والعمل، والتأثير. ونتيجة لذلك، نادرًا ما يُطلب من الطلاب شرح منطق قراراتهم، أو التحدث عن الفشل والتجربة، أو ربط مشاريعهم بمشكلة حقيقية وجمهور فعلي.

يربط المقال بين السرد القصصي والسيرة الذاتية بشكل مباشر، موضحًا أن السيرة تسرد “ماذا” حدث، بينما القصة تشرح “لماذا” و“كيف” ولماذا يهم الأمر. هذا البعد يصبح حاسمًا خصوصًا للطلاب والخريجين الجدد الذين لا يملكون تاريخًا مهنيًا طويلًا، لكنهم يستطيعون إظهار النضج والقدرة التحليلية عبر شرح العلاقة بين الفعل والنتيجة، وبين الجهد والتعلم.

في المقابل، تؤكد الكاتبة أن تعليم السرد القصصي الفعّال لا يبدأ بالكتابة، بل بالفعل. فعندما ينخرط الطلاب في مشاريع حقيقية، أو مبادرات مجتمعية، أو تجارب ريادية، فإن المادة القصصية تتكوّن تلقائيًا. وتستشهد بتجربة برنامج WIT (Whatever It Takes)، حيث لا يتعلم المشاركون مفاهيم ريادة الأعمال نظريًا، بل يطلقون مشاريع فعلية، ثم يتعلمون كيف يشرحون ما أنجزوه، ولمن، ولماذا كان مهمًا. هنا يتعلم الطلاب أن الوضوح يتفوّق على البلاغة، وأن الصدق أقوى من التهويل، وأن الأثر الحقيقي أسهل في السرد.

ويمتد التحليل ليؤكد أن المهارات السردية المطلوبة من الطلاب هي ذاتها التي يستخدمها القادة التنفيذيون. فالقيادة لا تقوم على عرض الأرقام فقط، بل على تأطيرها، وتفسير التغيرات، وبناء معنى مشترك يوجّه القرار والعمل. لذلك تستثمر الشركات اليوم بكثافة في السرد المؤسسي، داخليًا وخارجيًا، بوصفه أداة لتنفيذ الاستراتيجية وبناء الثقة.

يخلص المقال إلى أن تدريس السرد القصصي لا يتطلب إدخال مادة جديدة أو هدم المناهج، بل تغيير طريقة طرح الأسئلة: دعوة الطلاب لشرح المشكلة، المسار، التعديلات، والدروس المستفادة، ودمج السرد في مشاريع STEM، والخدمة المجتمعية، وريادة الأعمال.

ومع الوقت، يتحول السرد إلى مهارة متنقلة، يستخدمها الطالب في الصف، ثم في مقابلة العمل، ثم في قاعة مجلس الإدارة.في المحصلة، يقدّم المقال أطروحة واضحة: السرد القصصي لم يعد مهارة ناعمة إضافية، بل بنية أساسية للجاهزية المهنية، لأنه يمكّن الأفراد من التعبير عن ذواتهم، وفهم مسارهم، وبناء معنى مشترك حول ما يفعلونه ولماذا يفعلونه.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn