يقف آلاف المعلمين في سوريا على مفترق طرق صعب، تتقاطع فيه تحديات المهنة مع الأوضاع المعيشية القاسية، وسط سياسات يعتبرونها تمييزية فيما يتعلق بالتثبيت والحقوق الوظيفية. القضية لم تعد مرتبطة براتب منخفض فحسب، وإنما تحولت إلى ملف متشعّب يمس العدالة الوظيفية وكرامة الكادر التعليمي في المنطقة .
منذ سنوات الحرب الأولى، تقلّد هؤلاء المعلمون مسؤولية الحفاظ على التعليم في بيئة تمزّقها الانقسامات السياسية والاقتصادية، محاولين إنقاذ جيل كامل من الضياع رغم نقص الإمكانات وتدهور البنية التحتية وغياب الضمانات الوظيفية. ومع مرور الوقت، تكشّفت سياسات مختلفة في التعامل مع الكادر التعليمي حسب المنطقة، لتبرز فجوات واضحة بين معلمي المجالس في ريف حلب الشمالي وزملائهم في إدلب والمناطق المحرّرة حديثاً .
في بيان صدر عن معلمي منطقة المجالس المحرّرة، عبّروا عن استيائهم من التمييز في آلية التثبيت، مؤكدين أن معلمي إدلب والمناطق الأخرى تم تثبيتهم دون مقابلات، بينما طُلب من معلمي المجالس الخضوع لاختبارات ومقابلات. رأوا في ذلك انتقاصاً من تاريخهم المهني وتجاهل سنوات طويلة من الخدمة في ظروف قاسية، مع شعور بالغُبن نتيجة المعايير المزدوجة .
إضافة إلى ذلك، يشير المعلمون إلى تفاوت في سلم الرواتب بين المناطق، حيث يتقاضى المعلم في ريف حلب أجراً أقل من زميله في منطقة أخرى يؤدي العمل ذاته. هذا الفارق يعتبرونه انعكاساً للتمييز الجغرافي والسياسي، وينتج إحباطاً متراكماً عبر الزمن .
تروي المعلمة رغد الحسن، الحاصلة على إجازة في اللغة العربية وتعمل منذ سبع سنوات، أن “راتبي الحالي لا يكفي لتغطية أبسط احتياجات المعيشة. كثر من زملائي يضطرّون للعمل بعد الظهر في مهن لا علاقة لها بالتعليم، حتى يتمكنوا من إطعام أسرهم. نطالب بالمساواة مع زملائنا، وأن يحتسب لنا تاريخ خدمتنا الطويل” . كذلك يروي وليد المحمود، الذي يعمل منذ عام 2014 في مدارس مخيّمات ريف إعزاز، “ما حدث في ملف التثبيت أصابنا بخيبة أمل كبيرة. لماذا يثبت زملائي في إدلب من دون أي اختبار، بينما أُجبِرت على المقابلة كأنني أبدأ عملي من جديد؟ تأخّر الرواتب يزيد الوضع سوءاً، خاصة أن تكلفة المعيشة هنا مرتفعة كثيراً… نصبح مضطرّين للاقتراض أو تأجيل دفع الفواتير، ما يخلِق دوامة من الأزمات المعيشية التي لا تنتهي” .
هذه المعاناة لا تنعكس عليهم وحدهم، بل تمتد إلى العملية التعليمية برمتها؛ فالمعلم الذي يشعر بعدم التقدير أو غياب الاستقرار المعيشي يجد صعوبة في تقديم أفضل ما لديه. تقول المعلمة أمل محمد، المقيمة في مدينة أخترين: “المعلم يحتاج إلى الاستقرار النفسي والمادي حتى يعطي أفضل ما لديه. كيف أستطيع التركيز على إعداد دروسي وأنا قلقة على كيفية دفع فاتورة الكهرباء أو شراء الدواء لطفلي؟” .
وفقًا لمسؤول تربوي في أحد المجمعات التعليمية — طلب عدم ذكر اسمه — فإن الأمر معقد، ويتداخل فيه عوامل إدارية ومالية. وأوضح أن إجراء المقابلات كان يهدف إلى تنظيم الكادر وضمان الكفاءة، وليس للتقليل من شأن خبراتهم. وعن الفروق في الرواتب بين المناطق، أكد أن هناك مساعٍ لتوحيد المعايير، لكنه أوضح أن ذلك يتطلب توافقاً على مستوى أوسع بين الهيئات العاملة في الشمال السوري، مشيراً إلى وعود من وزارة التربية والتعليم لمعالجة هذا الملف الشائك .
المعلمون في ريف حلب الشمالي اختصروا مطالبهم بالآتي: إلغاء التمييز في إجراءات التثبيت، واعتماد سنوات الخدمة والسجلات المهنية كمعيار أساسي، وتوحيد سلم الرواتب على أساس المؤهل العلمي والخبرة، مع ضمان صرف الأجور في موعد محدد شهرياً. كما اقترحوا تشكيل لجنة مهنية بعد التثبيت لمراجعة الملفات والتحقّق من الكفاءة، وتفعيل دور الموجهين التربويين .
قضية المعلمين في الشمال السوري تتجاوز كونها مشكلة قطاعية؛ فهي تمس صميم استقرار المجتمع ومستقبل الأجيال في مناطق أنهكتها الحرب والتهجير. يظل المعلم حجر الأساس في إعادة البناء المعنوي والإنساني، غير أن هذا الدور يتطلب بيئة عادلة ومستقرة تمنح المعلم كرامته وتوفر له ما يكفيه ليواصل رسالته دون ثقل القلق على لقمة عيشه .



