نُشر المقال على موقع Fast Company ضمن قسم “Leadership Now”، وهو يقدّم رؤية جديدة لمفهوم القيادة في القرن الحادي والعشرين، عنوانها: القادة متعددو الأدوار. الكاتبتان أليسون مور ونادا أوسينا تطرحان فرضية أن المسار المهني غير الخطي لم يعد علامة على التشتت أو الضعف، بل أصبح مدرسة حقيقية في القيادة. فالعالم المهني لم يعد يتحمّل نمط “السلم الوظيفي” الصاعد بخط مستقيم، بل بات يحتاج إلى “شبكة” أو “سلم متشعّب” يعكس تعددية الأدوار والمهارات التي تفرضها بيئة العمل المعاصرة.
المقال ينطلق من ملاحظة جوهرية: النساء هنّ أول من طوّر هذا النموذج من القيادة بحكم الضرورة، إذ جمعن بين أدوار متعددة كالأم والمديرة، المؤسسة والمربية، القائدة والملهمة. هذه الثنائية التي كانت تُعتبر سابقًا عائقًا أصبحت اليوم مصدر قوّة، لأنها تولّد المرونة والقدرة على التكيّف، وتمنح صاحبتها منظورًا أوسع للحياة والعمل. فالقادة متعددو الأدوار هم أولئك الذين يعرفون كيف ينتقلون بين الصناعات والمهن، وكيف يحوّلون التوقف أو التحوّل إلى تدريب داخلي على الصبر والإبداع.
ويقدّم المقال استعارة جميلة: لم يعد النجاح صعودًا على سلّم واحد، بل تسلّقًا في “شبكة” متشعبة من التجارب. فالمسار غير الخطي يسمح بالنمو الأفقي والعمقي في الوقت نفسه، ويصنع نوعًا جديدًا من القادة الذين يقيسون نجاحهم بالتأثير لا بالمناصب، وبالقدرة على إلهام الآخرين لا فقط بالترقي الوظيفي.
وفي خضم عالم مضطرب تسوده الأزمات والتغيرات التقنية، يبيّن الكاتبتان أن القادة متعددي الأدوار يمتلكون المهارات التي يحتاجها السوق اليوم: الذكاء العاطفي، والقدرة على قراءة التحولات الثقافية، والتواصل عبر الأجيال. فالشركات التي تضم نساء في المناصب التنفيذية العليا تحقق أداءً أفضل بنسبة 30%، والنساء المؤسِّسات اللواتي يحصلن على تمويل يحققن عائدًا أعلى على الاستثمار. هذه المعطيات تجعل من تعددية الأدوار ليس فقط خيارًا فرديًا، بل استراتيجية مؤسسية ناجحة.
ويُبرز المقال أن النظام التقليدي في التوظيف ما زال يقيّم السير الذاتية الخطية أكثر من القصص الغنية بالتنوع والتجارب المتعددة. لذلك، يدعو الكاتبتان إلى تغيير جذري في ثقافة المؤسسات: على مجالس الإدارة أن تكرّم القادة الذين برعوا في إدارة الأزمات، وعلى شركات التوظيف أن تقيّم المرونة والذكاء الاجتماعي بنفس مستوى الخبرة الزمنية، وعلى الموارد البشرية أن تفتح برامج “عودة” وفرص عمل قائمة على المشاريع، لاستيعاب هذا النوع من المواهب.
في ختام المقال، تؤكد الكاتبتان أن الهدف ليس إلغاء السلم الوظيفي التقليدي، بل التحرر من اعتباره النموذج الوحيد للنجاح. فالقادة متعددو الأدوار أثبتوا أن النجاح لا يُقاس بخط مستقيم، بل بقدرتك على التنقل بين الأدوار والقطاعات، وبمقدار ما تبنيه من شبكة دعم وتأثير. هذا النموذج القيادي، الذي صاغته النساء وجرّبنه على مدى عقود، صار اليوم الوصفة الأكثر نجاحًا لقيادة المستقبل.



