في موقع «بالعربي» نُشرت مقالة الدكتورة سارة ضناوي بعنوان «المحتوى العربي في عصر الذكاء الاصطناعي» بتاريخ 7 كانون الثاني/يناير 2026، ضمن زاوية مقالات الكتّاب، لتقدّم مقاربة فكرية ولغوية معمّقة لتحوّلات الكتابة العربية في ظل الرقمنة وصعود الذكاء الاصطناعي.
تتناول الكاتبة التحوّل الجذري الذي شهدته الكتابة العربية مع انتقالها من فضاء الورق إلى المجال الرقمي، حيث لم تعد الكتابة فعلًا فرديًا معزولًا، بل ممارسة تفاعلية مرتبطة بوسائط النشر الجديدة وأنماط التلقي المتغيّرة.
وتنطلق المقالة من سؤالين محوريين: هل أعادت الرقمنة تشكيل هوية الكاتب العربي؟ وما المهارات التي باتت ضرورية لإنتاج كتابة فاعلة ومؤثرة في هذا العصر؟ ومن هذا المدخل، تُبرز الكاتبة صناعة المحتوى العربي الفصيح بوصفها حلقة وصل بين أصالة اللغة ومتطلبات البيئة الرقمية الحديثة.
تقدّم المقالة تعريفًا واضحًا لصناعة المحتوى العربي، باعتبارها عملية متكاملة تشمل التخطيط والإنتاج والتحرير والنشر والتوجّه إلى جمهور محدد عبر وسائط متعددة، مكتوبة ومرئية ومسموعة.
وتؤكد أن هذه الصناعة لا تقتصر على النصوص الوظيفية، بل تشمل الأدب والشعر والنثر والخواطر والنصوص الثقافية، شرط الحفاظ على سلامة اللغة وجمال الأسلوب، بما يضمن حضور العربية الفصحى في الفضاء الرقمي.وفي تحليلها لهوية الكاتب العربي، توضّح الكاتبة أن العصر الرقمي نقل الكاتب من موقع الإبداع المحدود إلى دور صانع محتوى يتفاعل مع جمهور واسع ومتنوّع.
ومع اشتداد المنافسة الرقمية، عادت الفصحى لتؤدي دورًا محوريًا في حماية الإرث اللغوي والثقافي، مدفوعة بوعي الكتّاب بمخاطر التهميش اللغوي وهيمنة اللغات الأجنبية. كما تشير إلى دور المؤثرين اللغويين في إعادة تقديم العربية بأساليب مبتكرة، ما أسهم في إحياء الاهتمام بها لدى الجيل الرقمي، رغم ميل بعض المستخدمين إلى لغات أخرى.
وتفصّل المقالة المهارات الجديدة التي فرضها هذا التحوّل على الكاتب العربي، وفي مقدّمها القدرة على إنتاج محتوى لغوي رصين يتلاءم مع طبيعة المنصات الرقمية، وإدارته وتسويقه باحتراف. وتولي اهتمامًا خاصًا لمهارات تحسين الظهور في محركات البحث (SEO)، من حيث اختيار الكلمات المفتاحية، والالتزام بالإيجاز، والتفاعل عبر المنصات الاجتماعية، إضافة إلى إنشاء مدونات متخصصة تعتمد الكتابة التفاعلية المدعّمة بالصور والفيديوهات والرسوم والروابط.
وتنتقل الكاتبة إلى رصد الأنماط السردية المستحدثة التي أفرزتها الرقمنة، مثل السرد التفاعلي الذي يشرك القارئ في توجيه النص، والسرد البصري الذي يزاوج بين الصورة والنص المكثف، والسرد العابر للمنصات الذي يمتد بين النص المكتوب والفيديو أو الصوت.
وتستشهد بانتشار القصص الفصيحة في مقاطع فيديو قصيرة والبودكاست الأدبي، معتبرة أن هذه الأشكال أعادت الاعتبار لفن الحكاية العربية الشفهي، ولكن بروح رقمية معاصرة.
وفي محور الذكاء الاصطناعي، تتعامل المقالة معه بواقعية نقدية؛ إذ تراه أداة مساعدة قادرة على توليد مسودات أولية، وتنظيم الأفكار، وتصويب الأخطاء اللغوية، لكنها تؤكد في المقابل أن الإبداع الحقيقي يظل فعلًا إنسانيًا، لأن الآلة تفتقر إلى الحس الوجداني والتجربة الشعورية التي تشكّل جوهر الكتابة الأدبية.
ومن هنا، تبرز أهمية التوظيف الرشيد للتقنية دون الارتهان لها.وتستحضر الكاتبة آراء فكرية داعمة، مثل مقولة مارشال ماكلوهان «الوسيلة هي الرسالة»، ورؤية عبد الله الغذامي حول انتقال الخطاب من الأحادية إلى التفاعلية دون التفريط بالعمق الجمالي والفكري.
وتخلص إلى أن الرقمنة لم تُلغِ الكتابة الورقية، بل وسّعت دائرة انتشارها.
وتختتم المقالة بنظرة مستقبلية متفائلة، متوقعة تنامي الطلب على المحتوى العربي الفصيح مع تنوّع المنصات الرقمية، ما يفتح آفاقًا جديدة أمام الكاتب العربي في التعليم الرقمي والإعلام الثقافي والتسويق اللغوي. كما تحمّل المؤسسات التعليمية مسؤولية إعداد جيل لغوي وتقني قادر على صون العربية وتعزيز حضورها في الوعي المعاصر، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي، مهما بلغ من تطور، سيبقى أداة دعم لا بديلًا عن القلم الواعي والعقل المبدع.



