في هذا المقال المنشور على موقع جريدة النهار بتاريخ 10 كانون الثاني 2026، يتناول الكاتب محمد غسّاني ظاهرة الهجرة المستمرة في لبنان بوصفها انعكاساً مباشراً لأزمات بنيوية عميقة تضرب سوق العمل والاقتصاد، رغم الخطاب الرسمي المتكرر عن مؤشرات استقرار سياسي واقتصادي نسبي.
يعرض المقال صورة واضحة للفجوة المتسعة بين هذا الخطاب وواقع المواطنين، حيث لا تزال أعداد كبيرة من اللبنانيين، ولا سيما من فئة الشباب وأصحاب الكفاءات، تغادر البلاد بحثاً عن الأمان الوظيفي والاستقرار المعيشي.
ويشير إلى أن ما يُفترض أن يكون مناخاً جاذباً للعودة والاستثمار لم ينجح حتى الآن في وقف النزيف البشري، ما يضع علامات استفهام حول فعالية السياسات المعتمدة لمعالجة جذور الهجرة.
ويستند المقال إلى أرقام حديثة صادرة عن منظمة الهجرة الدولية، تظهر أن لبنان شهد خلال عام 2025 حركة خروج ودخول كثيفة، إلا أن الفارق الصافي يعكس سفر أكثر من 220 ألف لبناني من دون عودة، وهو مؤشر مقلق على تصاعد الهجرة الدائمة. هذه الأرقام، بحسب المقال، لا تعبّر فقط عن تنقّل طبيعي، بل عن خيار قاسٍ يتخذه الأفراد في ظل غياب الثقة بمستقبل مستقر داخل البلاد.
ينتقل المقال بعد ذلك إلى تحليل الأثر المباشر للهجرة على سوق العمل من خلال قراءة الخبير الاقتصادي وليد بو سليمان، الذي يوضح أن الهجرة تتركز في الفئات الشابة والمتعلمة وأصحاب المهارات المتوسطة والعالية، ما يؤدي إلى استنزاف رأس المال البشري، وهو العنصر الأساسي للإنتاجية والابتكار. هذا النزف يخلق اختلالاً في هيكل سوق العمل، ويُضعف قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والهندسة والتكنولوجيا، ويحد من قدرة المؤسسات على التوسع والتطور، كما يساهم في تراجع دينامية نقل المعرفة والخبرات.
وعلى المستوى الاقتصادي الكلي، يربط المقال بين الهجرة وتباطؤ النمو الاقتصادي، إذ يؤدي تقلص القوى العاملة المنتجة إلى انخفاض الاستهلاك والاستثمار المحليين، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي. كما أن خروج أعداد كبيرة من دافعي الضرائب يضغط على المالية العامة ويحد من قدرة الدولة على تمويل الخدمات الأساسية والبنى التحتية، ما يفاقم تدهور البيئة الاقتصادية.
وفي مقابل ذلك، يناقش المقال دور تحويلات المغتربين، التي يُنظر إليها غالباً كصمام أمان اجتماعي ونقدي. إلا أن عضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي أنيس بو دياب يوضح أن هذه التحويلات، رغم مساهمتها في تأمين الحاجات الأساسية ودعم الاستقرار النقدي، لا تعوّض الخسارة البنيوية في رأس المال البشري.
ويعتبر أن الاعتماد المتزايد عليها يكرّس نموذج اقتصاد ريعي هش، ويضعف الحوافز على الإصلاح، ويؤدي إلى تآكل الطبقة الوسطى المنتجة على المدى الطويل.
ويبرز المقال مقاربة أعمق للهجرة باعتبارها شكلاً من “التصويت الجماعي ضد الدولة”، لا مجرد قرار فردي اضطراري. فالهجرة، وفق هذا المنظور، هي نتيجة غياب منظومة مؤسساتية قادرة على توليد فرص عمل حقيقية واستيعاب عشرات آلاف الخريجين الذين يدخلون سوق العمل سنوياً في مقابل قدرة محدودة للاقتصاد على خلق وظائف منتجة.
ويختم المقال بالتأكيد أن الحدّ من الهجرة لا يمكن أن يتحقق من خلال حلول جزئية أو خطاب عاطفي، بل يتطلب استعادة الحد الأدنى من الأمان المعيشي، حماية الأجور، دعم التعليم والجامعات، وبناء اقتصاد منتج قائم على التكنولوجيا والزراعة ذات القيمة المضافة والصناعات الخفيفة. كما يشدد على ضرورة إشراك المغتربين في الاستثمار المنتج لا في الاستهلاك فقط، مع الإقرار بأن التحدي الأكبر يبقى في استعادة ثقتهم بالدولة اللبنانية.



