نُشر هذا المقال على موقع «ايست نيوز» الإخباري اللبناني، ضمن قسم لبنان، بقلم عبير درويش، وجاء في إطار تحقيق خاص يتناول واقع الحصص الغذائية اليومية المتوازنة في لبنان في ظل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، مع ربط واضح بين الوعي الغذائي ودور السياسات العامة في حماية الأمن الغذائي والصحة العامة.
يقدّم المقال دراسة تحليلية معمّقة تنطلق من الإرشادات الدولية للتغذية الصحية، ولا سيما توصيات برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الصحة العالمية، ليقارن بينها وبين الواقع الغذائي الفعلي للأفراد في لبنان. ينطلق النص من فرضية أساسية مفادها أن التغذية السليمة لم تعد خيارًا فرديًا محضًا، بل أصبحت قضية بنيوية تمسّ الصحة العامة والاستقرار الاجتماعي، خصوصًا في بيئة تشهد تدهورًا حادًا في القدرة الشرائية وارتفاعًا غير مسبوق في أسعار الغذاء. ويبرز المقال أن غياب الوعي الغذائي المتكامل، مقرونًا بضعف السياسات الغذائية الوطنية، أدى إلى فجوة واضحة بين ما يُنصح به صحيًا وما يُمارس فعليًا على موائد اللبنانيين.
يعالج المقال الإطار النظري للتغذية الصحية من خلال التأكيد على مبادئ التنوع والتوازن والاعتدال، ويستحضر حمية البحر الأبيض المتوسط كنموذج علمي مثبت الفعالية، ليس فقط لارتباطه بخفض مخاطر الأمراض غير السارية، بل لكونه منسجمًا تاريخيًا وثقافيًا مع المطبخ اللبناني. غير أن النص يبيّن أن هذا النموذج، رغم ملاءمته، لم يعد مطبّقًا بصورة صحيحة، نتيجة التحوّل نحو الأغذية الأرخص والأقل قيمة غذائية، ما يعكس تراجع الوعي الغذائي على المستوى المجتمعي، وغياب سياسات داعمة تحافظ على الأنماط الغذائية التقليدية الصحية.
في الجانب الإحصائي، يستعرض المقال أرقامًا دقيقة تكشف عمق الأزمة الغذائية في لبنان، حيث تشير الدراسات الوطنية إلى أن أكثر من نصف الأسر تعاني من انخفاض في تنوّع النظام الغذائي، وهو مؤشر خطير على سوء التغذية حتى في حال توفر السعرات الحرارية. كما تظهر البيانات أن الالتزام بحمية البحر الأبيض المتوسط لا يتجاوز المستوى المتوسط لدى غالبية السكان، مع تراجع واضح في استهلاك الحبوب الكاملة والأسماك والمكسرات، مقابل ارتفاع استهلاك السكريات والنشويات المكرّرة. ويعزّز ذلك انخفاض المؤشر الفيتوغذائي، الذي يعكس ضعف الاعتماد على الأغذية النباتية الغنية بالمركبات الوقائية، ما يزيد من المخاطر الصحية طويلة الأمد.
ولا يكتفي المقال بالتشخيص، بل ينتقل إلى ربط هذه المؤشرات بمفهوم انعدام الأمن الغذائي، مبيّنًا أن ما بين 21% و30% من السكان يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، وهي نسبة تضع لبنان في موقع متقدم ضمن الدول الأكثر تضررًا في المنطقة. هنا، يبرز بوضوح دور السياسات الغائبة أو القاصرة، سواء على مستوى دعم الغذاء الصحي، أو تنظيم الأسواق، أو إدماج التوعية الغذائية في السياسات الصحية والتربوية.
في عرضه للحصص الغذائية اليومية، يقدّم المقال نموذجًا عمليًا ومتوازنًا يراعي الواقع اللبناني دون الوقوع في خطاب حرماني. فيؤكد أهمية استهلاك كافٍ من الفواكه والخضروات، والحبوب الكاملة، ومصادر البروتين المتنوعة، مع الاعتدال في الدهون والتركيز على زيت الزيتون، وضبط استهلاك السكريات والملح وفق توصيات منظمة الصحة العالمية. ويشدّد على أن هذا النموذج قابل للتطبيق ضمن المطبخ اللبناني التقليدي إذا ما أُعيد تنظيم الحصص والكميات، ما يعيد الاعتبار للوعي الغذائي كأداة تمكين فردي، شرط أن تدعمه سياسات عامة قائمة على الأدلة.
يخلص المقال إلى أن تحسين الحصص الغذائية اليومية في لبنان لا يمكن فصله عن دور السياسات الصحية والغذائية، إذ إن رفع مستوى الوعي الغذائي دون تدخلات بنيوية يبقى محدود الأثر. ويؤكد أن تبنّي سياسات غذائية عادلة، مدعومة بالتثقيف والتوجيه، من شأنه أن يخفف العبء الصحي والاقتصادي عن المجتمع، ويعيد بناء علاقة أكثر توازنًا بين الفرد وغذائه في سياق أزمة متعددة الأبعاد.



