في المشهد التشكيلي اللبناني والعربي، يبرز اسم جورج باسيل كحالة استثنائية، لا لأنه يكرر ما تدرّسه الأكاديميات أو يستعير المناهج التقليدية، بل لأنه اختار أن يسلك طريقًا أصعب: أن يكون فنانًا علّم نفسه بنفسه. هذه التجربة الذاتية التي انطلقت من فضول شخصي، ورغبة في التعبير بعيدًا عن القوالب الجاهزة، صاغت له مسارًا مختلفًا، وجعلت من أعماله نافذة لرؤية مغايرة للجسد والوجود.
من خلال عمله الدؤوب وتجربته المستقلة، استطاع باسيل أن يبني لغة تشكيلية خاصة، تقوم على استكشاف الجسد كرمز، كمرآة للأفكار والانفعالات، لا كمجرد موضوع تصويري. لوحاته لا تعكس المحاكاة الحرفية، بل تحوّل الجسد إلى حامل للأسئلة والقلق والانعزال، وكأنها دعوة للقارئ البصري أن يتأمل في الإنسان من الداخل.
اليوم، يصل باسيل إلى موقع متقدّم حيث تعرض أعماله في معارض فردية تحمل بصمته الخاصة، مثل “عزلتي الحلوة”، التي تحولت إلى مساحة حوار بين الجسد والفكرة، بين الصورة وما وراءها. هذه المسيرة تثبت أن التكوين الذاتي ليس عائقًا، بل قد يكون طريقًا إلى الأصالة، إذ سمح له بأن يتحرر من قيود التكرار، ويقدّم فنًا يحمل توقيعه الشخصي، غير خاضع لمعايير المدارس أو الاتجاهات السائدة.
إن تجربة جورج باسيل تؤكد أن الفنان الذي يعلّم نفسه بنفسه يمكن أن يبلغ مراتب رفيعة في التعبير والإبداع، إذا امتلك الشغف والجرأة والإصرار على أن يحوّل عزلته إلى مختبر حيّ للأفكار. هو اليوم شاهد حي على أن الحرية في التعلم قد تكون هي نفسها طريق الوصول.



