جيل يعرف كيف يستخدم أدوات الخبراء، لكنه لم يحصل على الوقت الكافي ليصبح خبيراً. هذه واحدة من المفارقات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي على بداية الحياة المهنية. الطالب اليوم يستطيع إنتاج نص وتحليل بيانات وتصميم عرض وتطوير فكرة خلال وقت قصير باستخدام أدوات لم تكن متاحة للموظف المبتدئ قبل سنوات. قدرته على الوصول إلى النتيجة ارتفعت بسرعة، بينما طريقه إلى اكتساب الخبرة ما زال يحتاج إلى سنوات من الممارسة.
الخبرة المهنية لا تأتي من معرفة الأداة. تأتي من تكرار العمل، ومواجهة الحالات غير المتوقعة، واكتشاف الأخطاء، وملاحظة تفاصيل لا تظهر في التعليمات، وتحمل مسؤولية القرار. المحامي لا يصبح خبيراً لأنه يعرف استخدام برنامج قانوني، والمصمم لا يصبح خبيراً لأنه يستخدم أداة توليد الصور، والمحلل لا يصبح خبيراً لأنه يستطيع إنتاج تقرير خلال دقائق. الخبرة تتكون عندما يمر الإنسان بمئات الحالات ويبدأ في رؤية الفروق التي لا تظهر في البيانات وحدها.
الذكاء الاصطناعي يختصر جزءاً من هذا الطريق. يستطيع الموظف الجديد أن يبدأ من مستوى أعلى من حيث الإنتاج، وأن يستخدم معرفة جاهزة تساعده في إنجاز مهمة كانت تحتاج إلى سنوات من التعلم. هذا التطور يغيّر قيمة الخبرة داخل المؤسسات. فإذا أصبح الموظف قادراً على تنفيذ المهمة بسرعة، يصبح السؤال الأهم هو: هل يعرف لماذا يفعلها بهذه الطريقة؟ وهل يستطيع اكتشاف أن النتيجة التي قدمتها الآلة خاطئة أو ناقصة؟
هنا تظهر مسؤولية الشركات والجامعات في تصميم تجربة التعلم من جديد. المطلوب ليس إبعاد الذكاء الاصطناعي عن الخريج حتى يتعلم بالطريقة القديمة، ولا تسليمه الأدوات واعتباره خبيراً منذ اليوم الأول. المطلوب أن يستخدم الذكاء الاصطناعي داخل مسار تدريبي يمنح الشاب مساحة كافية للتجربة، والخطأ، والمراجعة، واتخاذ القرار، ثم مقارنة قراره بما تنتجه الآلة. بهذه الطريقة تصبح التكنولوجيا وسيلة لتسريع بناء الخبرة، لا وسيلة لاختصار الخبرة نفسها.
المستقبل المهني قد ينتمي إلى جيل يدخل سوق العمل وهو أكثر قدرة على الوصول إلى المعرفة من أي جيل سبقه. القيمة الحقيقية لهذا الجيل ستتحدد بقدرته على تحويل تلك المعرفة إلى حكم مهني. المسألة ليست أن يعرف الشاب كيف يستخدم أدوات الخبراء، بل أن يمتلك الوقت والتجربة والمسؤولية التي تجعله خبيراً قادراً على معرفة متى يستخدم الأداة، ومتى يشك في نتائجها، ومتى يقرر بنفسه.



