نُشر هذا المقال في صحيفة اندبندنت عربية، ويتناول واحدة من أكثر القضايا الجدلية في النقاشات التربوية والمعرفية المعاصرة، وهي ما إذا كان جيل زد خارج عباءة ذكاء الأجيال السابقة من حيث القدرات الذهنية والمعرفية، أم أنه يعيد تشكيل الذكاء وفق أنماط مختلفة فرضتها البيئة الرقمية الحديثة.
ينطلق المقال من تفكيك الصورة النمطية السائدة حول جيل زد، التي غالباً ما تختزل هذا الجيل في صفات مثل الكسل، والتعجرف، والانغماس المفرط في وسائل التواصل الاجتماعي، والاعتماد الكبير على أدوات الذكاء الاصطناعي حتى في المهام البسيطة. إلا أن النص لا يتوقف عند هذا التوصيف السطحي، بل يحاول ربط هذه السلوكيات بتحولات أعمق في البنية المعرفية والبيئية التي نشأ فيها هذا الجيل، معتبراً أن جيل زد خارج عباءة ذكاء الأجيال السابقة ليس بالضرورة لأنه أقل ذكاء، بل لأنه نتاج منظومة تعليمية ورقمية مختلفة جذرياً.
يوضح المقال أن الاهتمام البحثي والإعلامي المكثف بجيل زد يعود إلى كونه أول جيل يخضع بشكل كامل لتجربة الحياة الرقمية المتكاملة، حيث لم يعد العالم الافتراضي أداة مساعدة، بل أصبح امتداداً يومياً للحياة الواقعية. هذا التحول جعل من جيل زد أول مختبر حي لدراسة تأثير الشاشات، والتعلم السريع، والإشباع الفوري، على التكوين النفسي والمعرفي والسلوكي للإنسان، خصوصاً مع دخول هذا الجيل بقوة إلى سوق العمل وتسلّمه أدواراً اقتصادية واجتماعية مؤثرة.يعرض المقال تعريفاً زمنياً واضحاً لجيل زد بوصفه الفئة المولودة تقريباً بين عامي 1997 و2012، وهي فئة لم تعرف عالماً بلا إنترنت أو هواتف ذكية، ما يجعل من تجربتها المعرفية مختلفة بنيوياً عن الأجيال السابقة. ومن هنا، يبرز السؤال المركزي: هل يعني خروج جيل زد خارج عباءة ذكاء الأجيال السابقة تراجعاً في الذكاء، أم انتقالاً إلى أنماط جديدة من المعالجة العقلية؟
في هذا السياق، يستند المقال إلى شهادة عالم الأعصاب جاريد هورفث أمام مجلس الشيوخ الأميركي، حيث أشار إلى ملاحظات تتعلق بتراجع بعض القدرات الذهنية لدى الأطفال مقارنة بالأجيال السابقة، لا سيما تلك المرتبطة بالذاكرة العاملة، والتفكير الداخلي، والتحليل المركب. ويبيّن النص أن هذه الملاحظة لا تعني انهياراً شاملاً في الذكاء، إذ إن بعض القدرات البصرية والمهام الموجهة خارجياً لا تزال أقل تأثراً، ما يعزز فكرة إعادة توزيع القدرات المعرفية لا اختفاءها.
ويربط المقال هذا التحول بشكل مباشر بالتعليم الحديث والاعتماد المكثف على التكنولوجيا الرقمية داخل الصفوف الدراسية، حيث أصبح الوصول إلى المعلومة والحل أسرع وأقل كلفة ذهنية. هذا النمط، وفق الطرح الوارد، يخفف العبء العقلي الآني لكنه يقلل في المقابل من فرص تدريب الدماغ على الجهد الذهني المتواصل، والاستذكار العميق، وبناء التفكير التحليلي طويل الأمد، ما يفسر جزئياً لماذا يبدو جيل زد خارج عباءة ذكاء الأجيال السابقة من حيث أسلوب التفكير لا مستواه فقط.
يدعم المقال هذا التحليل بالإشارة إلى دراسة أكاديمية حول ما يعرف بـ”تأثير فلين السلبي”، والتي توثق توقف الارتفاع التاريخي في معدلات الذكاء، بل وانعكاسه في بعض الدول الغربية، خصوصاً في مجالات التفكير اللفظي والمعقد. ويُظهر المقال أن هذا التراجع لا يشمل جميع القدرات، بل يتركز في المهارات التي تتطلب معالجة ذهنية عميقة، في حين تحافظ القدرات الأبسط على قدر من الاستقرار.ولا يكتفي النص بالجانب التعليمي، بل يتوسع إلى التأثيرات النفسية والسلوكية للحياة الرقمية على جيل زد، مستشهداً بتقارير جمعية علم النفس الأميركية التي تربط الاستخدام المكثف لوسائل التواصل الاجتماعي باضطرابات الانتباه والنوم وتنظيم المشاعر. ويبرز المقال أن هذه العوامل النفسية لا يمكن فصلها عن الأداء المعرفي، ما يجعل الحديث عن الذكاء بمعزل عن السياق النفسي والاجتماعي حديثاً منقوصاً.
كما يعرض المقال نتائج دراسات لجامعات مرموقة، مثل ستانفورد، حول تعدد المهمات لدى “جيل الإنترنت”، والتي تشير إلى أداء أضعف في اختبارات الذاكرة العاملة والانتباه المستمر لدى المستخدمين المكثفين للأجهزة الرقمية، وهم في الغالب من جيل زد. ويعزز هذا الطرح تقرير “كومون سينس ميديا” الذي يحذر من تجاوز متوسط وقت الشاشة اليومي سبع ساعات لدى المراهقين، وما يحمله ذلك من آثار طويلة المدى على التعلم والتركيز.
في المحصلة، لا يقدم المقال حكماً قطعياً بإدانة جيل زد، بل يخلص إلى طرح أكثر توازناً، مفاده أن جيل زد خارج عباءة ذكاء الأجيال السابقة ليس لأنه أقل قدرة، بل لأنه يتشكل ضمن بيئة مختلفة أعادت توجيه الذكاء نحو أنماط جديدة، قد تكون أكثر سرعة وبصرية وتفاعلية، وأقل ميلاً إلى العمق والتحليل البطيء. وهو طرح يدعو إلى إعادة النظر في النظم التعليمية وأساليب العمل، بدلاً من الاكتفاء بإطلاق أحكام أخلاقية أو مقارنات سطحية بين الأجيال.



