نُشر هذا المقال في صحيفة الغد – Jordan News – النسخة المطبوعة، ويتناول رؤية فكرية معمّقة حول التحولات الجذرية التي أحدثها الجيل الجديد، وهو الجيل الذي يصفه الكاتب بأنه جيل لا يشبه أحدا، جيل وصل قبل أن تستعد له المؤسسات والنخب والأنظمة التربوية والثقافية.
يتوقف المقال عند فكرة محورية: إن التحول التاريخي اليوم لا يُقاس بالاختراعات، بل بالأجيال التي تعيد تعريف الإنسان. وهنا يبرز هذا الجيل الجديد بوصفه نقطة انعطاف كبرى، فقد نشأ داخل الشاشة، وتشكّل وعيه من الخوارزميات، وليس من التجارب المتوارثة أو السرديات العائلية أو الكتب التقليدية. المعرفة لديه فورية، متدفقة، أسرع من قدرة المؤسسات على الفهم أو التنظيم أو التوجيه، وهو ما يجعل هذا الجيل لا يشبه أحدا ممن سبقه، بل يقدّم وعياً غير مسبوق في التاريخ الحديث.
يرى الكاتب أن هذا الجيل مستقل جذرياً، لا يخضع للخطابات التقليدية، ولا للشعارات الكبرى، ولا للمرجعيات السياسية أو القومية أو الدينية. يعيش في فضاء مفتوح بلا حدود جغرافية، حيث تتحول الشاشة إلى وطنٍ افتراضي، والمعلومة إلى هوية، والذات الرقمية إلى إطار جديد للوجود الاجتماعي. وهنا يستحضر الكاتب قول مارشال ماكلوهان حول العلاقة بين الإنسان وأدواته، فالأدوات الرقمية اليوم لم تعد مجرد وسائل، بل أصبحت فضاءً يشكل الوجدان والوعي والعلاقات.لكن المفارقة أن كثافة المعلومات لا تُنتج بالضرورة عمقاً، بل قد تؤدي أحياناً إلى امتلاء الوعي بالمعرفة السطحية، وفق طرح بودريار الذي يشير إلى خطورة “المعلومات الفارغة”. وهنا يكتشف الجيل الجديد معرفته دون بوصلة قيمية أو مرجعية مشتركة تربط بين العلم والأخلاق والمعنى، وهو ما يجعل جيل لا يشبه أحدا عرضةً لتقلبات ضخمة في الوعي الجمعي.
ويضيف الكاتب أن هذا الجيل، رغم ذكائه وسرعته وتحليله، ينتمي إلى سؤال دائم وشك دائم؛ فهو لا يؤمن بالمطلقات، ولا يقبل المسلّمات، بل يقارن ويبحث ويحلل بين آلاف المصادر. صلابة هذا الجيل تكمن في استقلاله عن المرجعيات المتعارف عليها، لكنه في الوقت نفسه يفتقد الرابط الثقافي الجامع، ما يجعل الحرية التي يعيشها حرية بلا جذور، وقد تتحول ـ كما وصف روسو ـ إلى “عبودية من نوع آخر”، أي عبودية للخوارزميات التي تصوغ الوعي من خلف الستار.
ويستعيد الكاتب رؤى أركون الذي يرى أن الحرية الحقيقية ليست مجرد تحرر من السلطة، بل القدرة على استخدام العقل في ظل فوضى المعاني. وهذا تحديداً هو التحدي الذي يواجه هذا الجيل: امتلاك المعرفة دون امتلاك أدوات إدارتها، وحرية بلا قدرة على التعامل مع سيلها المتسارع.
ثم ينتقل المقال إلى البعد الاجتماعي والمؤسسي، مشيراً إلى أن الأزمة الحقيقية ليست في الجيل الجديد، بل في النخب التي تدير الواقع بعقول قديمة. هذه النخب، كما يرى الجابري، تستمر في التفكير بمفاهيم الماضي رغم أن الجيل الجديد يعيش بالفعل في المستقبل. وهكذا تتعمق الفجوة المعرفية، وتتوسع المسافة بين جيل رقمي ديناميكي سريع، ومؤسسات ما تزال غارقة في البيروقراطية والحذر والمحسوبيات.
ويشير الكاتب إلى أن الأردن مثال واضح لهذه الفجوة: جيل شاب يمتلك الانفتاح العالمي ويتعلم ويتفاعل بسرعة، مقابل مؤسسات تتحرك ببطء وتتردد في تبني التحول الرقمي. وهنا يتحذّر الكاتب من تحول فجوة الثقة إلى “قطيعة معرفية” إن لم تُدرك الدولة أن التحول نحو الذكاء الاصطناعي والتعليم الرقمي والرقمنة الشاملة لم يعد خياراً، بل ضرورة وجودية.
ويؤكد المقال أن قيادة جيل لا يشبه أحدا لا تتم بالقسر أو بالشعارات، بل بالقدوة والمصداقية والشفافية. الثقة تبنى بالحقيقة لا بالوعود، وبالشراكة لا بالوصاية. فبناء الإنسان في هذا الزمن يستلزم بناء وعي رقمي نقدي أخلاقي قادر على التمييز بين الحرية والفوضى، وبين المعلومة والمعرفة، وبين التمرد والنضج.ويختتم المقال بالسؤال المركزي: هل استعدت المجتمعات فعلاً لهذا التحول الحضاري؟ هل طوّرت التعليم والخطاب الإعلامي والديني والسياسي؟
والجواب، كما يقول الكاتب، مؤسف: لم نستعد، وما زلنا نخاطب جيلاً جديداً بعقلية عقود مضت، غير قادرين على مواكبة عالم يقفز نحو المستقبل بينما ما زلنا نناقش أساسيات التحول الرقمي.



