جيواستراتيجية التضليل الإعلامي بين حروب السرديات وما بعد الحقيقة

نشرت صحيفة العروبة 22 مقالًا للباحث المغربي الدكتور خالد ميّار الإدريسي، بعنوان جيواستراتيجية التضليل الإعلامي، حيث يتناول الكاتب ظاهرة معقدة تتقاطع فيها أدوات الإعلام مع رهانات السياسة الدولية، مبرزًا كيف تحوّلت المعلومة من وسيلة للتواصل إلى سلاح جيواستراتيجي يُستخدم في حروب النفوذ والسيطرة. ينطلق المقال من فكرة أن التضليل الإعلامي لم يعد يقتصر على نشر أخبار زائفة أو مشوّهة، بل صار منظومة متكاملة تستند إلى التكنولوجيا الحديثة، الذكاء الاصطناعي، والشبكات الرقمية التي تضخ روايات متعددة، متناقضة أحيانًا، بهدف إرباك المتلقي وتحويله من باحث عن الحقيقة إلى مستهلكٍ في دوامة الشك.

يوضح النص أن جيواستراتيجية التضليل الإعلامي تقوم على ثلاث ركائز أساسية: الأولى توظيف الإعلام كسلاح غير مباشر في الصراعات الدولية، حيث تغدو المعارك الافتراضية امتدادًا للمعارك العسكرية والاقتصادية. والثانية هي صناعة سرديات كبرى تُغطي على الحقائق وتعيد تشكيل الوعي الجمعي، بحيث يُعاد رسم صورة “العدو” و”الصديق” وفق مصالح القوى الكبرى. أما الثالثة فهي اختراق الفضاء المعلوماتي المحلي للدول عبر حملات مدروسة تستهدف الجمهور بلغته وضمن سياقه الاجتماعي، ما يجعل من التضليل أداةً للتأثير في الرأي العام من الداخل.

ويُبرز المقال كيف أن القوى العالمية تتعامل مع التضليل الإعلامي كجزء من استراتيجياتها الكبرى: فالولايات المتحدة توظف خطاب “حرية الإعلام” لتغطية تدخلاتها، بينما تستخدم روسيا “الحرب الهجينة” التي تدمج بين السلاح التقليدي والهجوم السيبراني وحملات التضليل. أما الصين فتعمل على تقديم نموذج إعلامي بديل يقوم على تقييد تدفق المعلومات ضمن فضاء سيادي مغلق، لكنها في الوقت نفسه تصدّر روايتها الخاصة عالميًا من خلال قنوات ضخمة باللغات المختلفة.

يُحذر الكاتب من أن الخطر في جيواستراتيجية التضليل الإعلامي لا يكمن فقط في إضعاف المؤسسات الإعلامية التقليدية أو إغراق الفضاء العام بالمعلومات المتناقضة، بل في تحويل الحقيقة ذاتها إلى سلعة نسبية، بحيث يُصبح كل طرف قادرًا على إنتاج “حقيقته” الخاصة وتعميمها. هذا التحول يضعف ثقة الناس بالإعلام والمؤسسات، ويؤسس لمرحلة ما بعد الحقيقة، حيث العاطفة والانحيازات المسبقة تتغلب على الوقائع والمعطيات.كما يشير المقال إلى أن المجتمعات الصغيرة والدول النامية هي الأكثر عرضة للوقوع في فخ التضليل، إذ تفتقر للبنية الإعلامية القوية أو القدرات التكنولوجية التي تمكّنها من مواجهة الحملات الممنهجة. ويرى أن بناء مناعة إعلامية يحتاج إلى سياسات تعليمية، تشريعية، وتكنولوجية متكاملة، تُعزز الوعي النقدي وتضع قواعد للشفافية والرقابة دون المساس بحرية التعبير.

في الختام، يضع الكاتب هذه الظاهرة في سياق أوسع من “الحروب الناعمة”، مؤكّدًا أن الصراع في القرن الحادي والعشرين لم يعد يُحسم فقط بالجيوش والدبابات، بل أيضًا بالقدرة على السيطرة على العقول عبر جيواستراتيجية التضليل الإعلامي.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn