نشرت Times Higher Education مقالا يفتح نقاشا حساسا حول العلاقة المتوترة بين الأكاديميا والذكاء الاصطناعي. الكاتب ينطلق من ملاحظة أن أصواتا كثيرة، من باحثين في MIT إلى مسؤولين في شركات كبرى مثل مايكروسوفت، تحذر من “الأوهام الخطيرة” الناتجة عن الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي.
البعض ذهب أبعد من ذلك فاتهم مستخدميه في البحث والتعليم بالسرقة الفكرية، مؤكدا أن عقولهم تتعرض للكسل وربما للتلف. لكن خلف هذه المواقف الصارمة، ثمة سؤال أعمق: هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة لتفريغ العقول، أم مساحة لتوسيعها؟الكاتب يعرض تجربته الشخصية ليبين أن المسألة ليست بهذه البساطة.
فهو يراجع أوراقا أكاديمية رديئة تكشف بوضوح الاستخدام السطحي للذكاء الاصطناعي: مراجع مختلقة، صياغة ضعيفة، وأفكار غير مترابطة. لكنه في المقابل يستخدم هو نفسه هذه الأدوات بشكل يومي، لا ليتخلى عن التفكير النقدي، بل ليحفز خياله ويصقل دقة كتابته.
الفارق هنا لا يكمن في الأداة بحد ذاتها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها: إما أن نسمح لها بأن تحل مكان عقولنا، أو نجعلها شريكا يحفزنا على صياغة أفكار أعمق.
يرى الكاتب أن الحظر المطلق للذكاء الاصطناعي في الجامعات لا يقود إلى حماية القيم الأكاديمية، بل إلى مزيد من السرية والخزي، وهو ما يشجع على الغش. بينما الشفافية في التعامل مع هذه الأدوات، ومناقشة كيفية استخدامها نقديا، يمكن أن يحوّلها إلى أداة للفضول والاستكشاف.
فالطلاب بحاجة إلى أن يجرّبوا، أن يقرأوا ويكتبوا بأنفسهم، وعندها يصبح الذكاء الاصطناعي مساعدا مرحليا يثري تجربتهم بدلا من أن يختزلها.ويعترف الكاتب بأن خلفيته في صناعة الأفلام علّمته أن الإبداع لا ينفصل عن التكنولوجيا، وأن التعاون مع أدوات معقدة لا ينتقص من العمل الإنساني بل يفتح له مسارات جديدة.
لذلك لم يعد يخشى من “الحوار” مع الذكاء الاصطناعي، بل يجد فيه متعة فكرية تضيف بعدا جديدا للكتابة. هذا الموقف تجسّد في كتابه الجديد الذي يحمل عنوان الحميمية مع الذكاء الاصطناعي والتحليل النفسي، حيث يتناول البعد الثقافي والنفسي لعلاقتنا مع هذه النماذج.
الخوف الحقيقي برأيه لا يكمن في الغش أو الانتحال فحسب، بل في الشعور المقلق بأن الذكاء الاصطناعي بدأ يأخذ مكان الحوار البشري ذاته. إنه لم يعد مجرد أداة صامتة، بل بات يتحدث، وكأننا أمام مرحلة جديدة يتعين على الأكاديميا أن تواجهها بوعي وانفتاح بدلا من الإنكار أو الرفض.



