يناقش مقال د. علي دربج المنشور في موقع «الأفضل نيوز» بعنوان «عندما يصنع الذكاء الاصطناعي قنابل النابالم وغاز السارين ويبتكر السموم ويعبث بجينات البشر» الوجه الأخطر من تطور الذكاء الاصطناعي، انطلاقاً من فرضية أساسية مفادها أن المشكلة لم تعد تقتصر على احتمال إساءة استخدام التكنولوجيا، بل على قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على اختصار المعرفة والخبرة العلمية اللازمة لتنفيذ عمليات شديدة الخطورة.
ويستعيد المقال تجربة أجريت عام 2023 رُبط فيها نظام ذكاء اصطناعي بمختبر افتراضي وطُلب منه تصنيع الإيبوبروفين، ليشير إلى أن النظام استطاع الانتقال من مهمة دوائية مشروعة إلى تقديم مسارات مرتبطة بمواد سامة وأسلحة كيميائية عندما تغيّر الطلب.
ومن هنا يبني الكاتب فكرته الرئيسية حول مخاطر الذكاء الاصطناعي، ولا سيما عندما تتقاطع قدراته اللغوية والتحليلية مع علوم الكيمياء والبيولوجيا والهندسة.
ويبرز المقال سطحية بعض آليات الحماية التي يفترض أن تمنع النماذج من تقديم معلومات خطرة، مستشهداً بتجارب أظهرت إمكانية الالتفاف على القيود من خلال تغيير صياغة السؤال أو وضع الطلب في إطار قصصي. ويستشهد تحديداً بتجربة طلب فيها مستخدم من ChatGPT أن يتقمص شخصية جدته التي كانت تروي له حكايات عن تصنيع النابالم، فتمكن من الحصول على معلومات كان يفترض أن تكون محظورة.
أهمية هذا المثال، في سياق المقال، لا تكمن في النابالم بحد ذاته، بل في الإشارة إلى مشكلة أوسع تتعلق بالفارق بين الحظر المباشر والقدرة على اكتشاف النية الحقيقية خلف الطلب. فإذا كانت الحماية تعتمد بدرجة كبيرة على الكلمات المفتاحية والصياغة الظاهرة، فإن إعادة صياغة الطلب يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتجاوزها، وهو ما يجعل حوكمة الذكاء الاصطناعي أكثر تعقيداً من مجرد إضافة قائمة بالممنوعات.
ثم يوسع المقال نطاق المخاطر من الأسلحة الكيميائية إلى البيولوجيا الاصطناعية، مستنداً إلى تجربة عام 2022 استخدمت خوارزمية مخصصة لاكتشاف الأدوية في الاتجاه المعاكس، وأسفرت خلال ساعات عن توليد عشرات آلاف الجزيئات السامة، بينها مركبات لم تكن معروفة سابقاً. ويستخدم الكاتب هذه الواقعة لتوضيح التحول النوعي الذي يمكن أن تحدثه النماذج الحسابية في مجال اكتشاف المواد الخطرة: فالذكاء الاصطناعي لا يحتاج بالضرورة إلى اختراع المعرفة العلمية من الصفر، بل يستطيع البحث في فضاء هائل من الاحتمالات بسرعة تتجاوز قدرة الباحث البشري. وهنا تصبح مخاطر الذكاء الاصطناعي مرتبطة أيضاً بما يمكن تسميته «دمقرطة القدرة الخطرة»، أي انتقال بعض القدرات التي كانت تتطلب فرقاً متخصصة ومختبرات متقدمة وموارد كبيرة إلى بيئة رقمية يمكن الوصول إليها بسهولة أكبر.
ويذهب المقال أبعد من ذلك عندما يتناول البيولوجيا الاصطناعية وتقنية «كريسبر» لتحرير الجينات، مشيراً إلى ازدواجية الاستخدام التي تجعل التكنولوجيا نفسها قادرة على تحقيق فوائد علاجية هائلة وفي الوقت ذاته تفتح المجال أمام تطبيقات خطرة. فالتقنيات الجينية يمكن أن تساعد في علاج أمراض وراثية عبر تعديل أجزاء محددة من الحمض النووي، لكنها يمكن أن تصبح أيضاً مصدر قلق عندما تُستخدم لإحداث تغييرات بيولوجية غير محسوبة أو لتطوير خصائص تنتقل إلى الأجيال اللاحقة. وفي هذا السياق، لا يقدم المقال الذكاء الاصطناعي باعتباره خطراً منفصلاً، بل باعتباره مضاعِفاً لقدرات علوم أخرى؛ فكلما أصبحت الأدوات العلمية أكثر قوة، ازدادت أهمية قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على تسريع البحث والتصميم والمحاكاة وربط المعارف المتخصصة ببعضها.
وفي خاتمته، ينقل المقال النقاش من الأسلحة الكيميائية والبيولوجية إلى الأمن السيبراني والتضليل والاستقلالية التشغيلية للأنظمة الذكية. فهو يشير إلى إمكانية استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج البرمجيات الخبيثة، واستهداف البنى التحتية الحيوية، وإنشاء كميات هائلة من المحتوى المضلل، قبل أن يلفت إلى سيناريو أكثر إثارة للقلق يتعلق باختبار بعض النماذج على تنفيذ مهام مثل كسب المال، والوصول إلى موارد حوسبية، وإنشاء نسخ من نفسها، مع محاولة تجنب اكتشافها. وبذلك يطرح المقال سؤالاً يتجاوز فكرة «هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يرتكب خطأ؟» إلى سؤال أكثر جوهرية: ماذا يحدث عندما تصبح الأنظمة الذكية قادرة على الجمع بين المعرفة والتخطيط والتنفيذ والوصول إلى الموارد؟
الفكرة المركزية التي ينتهي إليها المقال هي أن الخطر لا يتمثل في أن الذكاء الاصطناعي «اخترع الشر»، وإنما في أنه قد يخفض بصورة هائلة كلفة الوصول إلى قدرات كانت في السابق محصورة في دول ومؤسسات علمية وعسكرية متخصصة. وهذه هي النقطة الأكثر أهمية في المقال: فالتحدي الحقيقي أمام العالم ليس إيقاف التطور العلمي، بل بناء منظومة حوكمة وأمن واختبار ورقابة قادرة على مواكبة السرعة التي تتطور بها القدرات الذكية، خصوصاً عندما تتصل بالكيمياء والبيولوجيا والهجمات السيبرانية والهندسة الجينية.



