عندما يصبح الشغف عبئًا: دروس في مقاومة الإرهاق القيادي

نُشر المقال في مجلة Fast Company ويعرض تحليلاً عميقًا لظاهرة الإنهاك المهني التي تصيب رواد الأعمال والقادة، من خلال تجربة الكاتب ماكس آزاروف، الرئيس التنفيذي لشركة Novakid Inc.. ينطلق المقال من ملاحظة بسيطة لكنها مؤلمة: معظم القادة يعتقدون أن الإرهاق يصيب الآخرين، حتى يقعوا فيه بأنفسهم.

يستند الكاتب إلى دراسة أُجريت عام 2024 أظهرت أن 34.4% من رواد الأعمال يعانون من الإرهاق، وأن أكثر من ربعهم يفتقرون إلى التوازن بين العمل والحياة، وهي نسب مرتفعة تعكس هشاشة النموذج السائد في بيئات ريادة الأعمال التي تجمع بين ضغوط متواصلة وموارد محدودة.

يصف المقال كيف تُزرع في وعي المؤسسين منذ البداية فكرة أن المعاناة جزء من الرحلة: ليالٍ بلا نوم، قرارات لا تنتهي، توقعات مرتفعة من المستثمرين. لكن ما لا يُقال بوضوح هو أن الإرهاق لا يظهر كإجهاد عابر، بل كفقدان تدريجي للاتصال بالعمل، بالفريق، وبالذات. يشرح الكاتب أن القائد في هذه الحالة يعيش مفارقة خطيرة، فكلما ازداد تعبًا ازداد حرصًا على الظهور بمظهر القوي، وكلما تزايدت الشكوك داخله، بالغ في إظهار الثقة أمام الآخرين، إلى أن يصبح مسجونًا في صورة invincible لا تشبه واقعه.

تبدأ العلامات الجسدية للإرهاق بالظهور: تعب مزمن لا يزول حتى بعد الراحة، صداع، آلام عضلية، اضطرابات في الجهاز الهضمي والنوم. وتتجلى مظاهره الذهنية بصعوبة التركيز واتخاذ القرار، تراجع القدرة على حل المشكلات، وتشاؤم مستمر. أما البعد العاطفي فيأخذ شكل انخفاض الدافعية، تقلبات المزاج، شعور بالفشل، ورغبة بالانسحاب. يضيف الكاتب أن خطورة الأمر تكمن في أن القائد، حتى وهو يدرك ما يمر به، لا يستطيع أن يتخلى عن عبء القيادة، لأن مسؤولياته غير قابلة للتفويض بالكامل.

في القسم التالي، يدعو المقال إلى كسر الرواية السائدة حول الإرهاق. فبدل اعتباره ضعفًا شخصيًا أو علامة خطر مؤقتة، ينبغي التعامل معه كخلل في النظام نفسه. إذا كان النظام ينهار تحت الضغط، لا نلومه بل نعيد تصميمه. فالإرهاق، بحسب الكاتب، يجعل القائد عبئًا على مؤسسته، إذ يفقد الرؤية ويتخذ قرارات تفاعلية بدل أن تكون استراتيجية.

الحل هو إعادة صياغة الثقافة المؤسسية بحيث تحمي الإنسان قبل الأداء.يذكر الكاتب تجربةً خاصة في شركته، حيث يشجع الموظفين على الاستفادة من إجازاتهم كاملة، ويُظهر اهتمامًا صادقًا بتفاصيل عطلاتهم ليكسر الشعور بالذنب المرتبط بالراحة.

يرى أن بيئة العمل الصحية لا تُبنى على التحمل بل على التوازن، وأن القائد الحقيقي هو من يحرر نفسه من فخر القدرة على الاحتمال المفرط، لأن الصمود الأعمى ليس صلابة بل استنزاف بطيء.

في الخاتمة، يشير آزاروف إلى أن الإرهاق لا يتعلق فقط بالإفراط في العمل، بل بفقدان الهوية داخل العمل نفسه، إذ تتغير وظيفة المؤسس مع نمو شركته وقد يجد نفسه يكره دوره الجديد رغم أنه في شركته الخاصة. من هنا، تصبح إعادة تصميم الدور الوظيفي ضرورة للحفاظ على الشغف والطاقة.

الحل، كما يقترح الكاتب، هو تفويض المهام التي تستهلك الطاقة والتركيز على الأنشطة التي تمنح شعورًا بالمعنى، إلى جانب بناء دوائر دعم تضم الأقران والمستشارين والمدربين التنفيذيين الذين يقدّمون منظورًا مختلفًا دون المساس بالأداء.

ويختتم المقال برسالة موجزة لكنها حاسمة: إن نجاح الشركة لا يعتمد فقط على قوة فكرتها، بل على طاقة مؤسسها وصفائه الذهني. القادة الذين يعرفون متى يتوقفون هم من يملكون القدرة على الاستمرار، لأن الشركات المستدامة تُبنى على عقول تعرف كيف تعيد شحن نفسها قبل أن تنطفئ.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn