كم من المال تحتاج لتكون سعيدًا؟ هذا ما تقوله الأبحاث

نشرت منصة The Conversation مقالًا للباحث براد إلفنستون من جامعة سوينبرن للتكنولوجيا بعنوان: كم من المال تحتاج لتكون سعيدًا؟ هذا ما تقوله الأبحاث.

ينطلق المقال من مشاهد التفاوت الهائل في الثروات، مثل احتمال أن يصبح إيلون ماسك أول تريليونير في العالم، أو تعويضات بملايين الدولارات لمديرين تنفيذيين في أستراليا، في مقابل فجوة واسعة تفصل بين أجور هؤلاء وأجور العمال العاديين.

ففي الولايات المتحدة يتقاضى المديرون التنفيذيون ما بين 265 و300 ضعف ما يتقاضاه العامل العادي، بينما تصل النسبة في أستراليا إلى 55 ضعفًا، رغم أن الناس يعتقدون أن الفجوة أصغر بكثير ويُفضلون لو كانت أقل.

السؤال المحوري الذي يطرحه المقال هو: كم من المال يكفي فعلاً للعيش بسعادة؟ بالعودة إلى الفلسفة القديمة، استشهد الكاتب بأرسطو الذي رأى أن السعادة الحقيقية لا تأتي من تراكم الأموال وحدها بل من تنمية العقل والروح، وأن المال لا يجب أن يكون الهدف الأسمى للحياة. أما الأبحاث الحديثة فقد أعطت إجابات مختلفة: دراسة أمريكية عام 2010 ربطت السعادة بدخل يبلغ نحو 75 ألف دولار سنويًا (ما يعادل 111 ألف دولار اليوم بعد احتساب التضخم)، بينما أظهرت دراسات أحدث أن الرفاهية قد تستمر في الارتفاع مع زيادة الدخل، لكن تأثيرها يتضاءل كلما ارتفع المستوى المعيشي.

تجربة أُجريت عام 2022 وزّعت 10 آلاف دولار عشوائيًا على مشاركين في سبع دول، وأظهرت أن أثر المال على السعادة كان أكبر بثلاث مرات في الدول منخفضة الدخل مقارنة بالدول الغنية، لكنه ظل ملموسًا حتى عند أصحاب دخل يقارب 123 ألف دولار سنويًا.

غير أن المال وحده لا يصنع السعادة؛ فالتجارب الطويلة تشير إلى أن التركيز على الكسب المادي بدافع المكانة أو المظاهر يقود إلى نتائج عكسية ويضع الإنسان على “عجلة المتعة” التي لا تنتهي.

فمع كل زيادة في الدخل يعتاد المرء مستواه الجديد ويحتاج إلى المزيد ليشعر بالرضا. الأبحاث، ومنها دراسة هارفارد المستمرة منذ عام 1938، توضح أن العلاقات العميقة والوقت المخصص للأحبة والهوايات أهم بكثير من الثروة المادية للصحة النفسية والجسدية. ولهذا، فإن مفاهيم مثل “الوفرة الزمنية” أي شراء وقت فراغ عبر تفويض مهام للآخرين، أو “الإنفاق التجريبي” على السفر والأنشطة الاجتماعية، تساهم في تعزيز الرفاهية أكثر من شراء الممتلكات.

المقال يلفت أيضًا إلى أن تزايد عدم المساواة في الثروة داخل المجتمعات، مثلما يحدث اليوم في أستراليا مع أزمة السكن وارتفاع كلفة المعيشة، يؤدي إلى تدهور المؤشرات الاجتماعية: الجريمة، الإدمان، البدانة، وتراجع الثقة الاجتماعية.

بيانات مكتب الإحصاء الأسترالي تُظهر أن 20% من الأغنياء يملكون 62% من الثروة، وهو ما ينذر بمشاكل تهدد رفاه المجتمع بأكمله. والمفارقة أن من يسعون وراء تراكم الثروة المفرطة ليسوا بالضرورة أكثر سعادة أو رضا.

بهذا المعنى، المال ضرورة لتأمين أساسيات الحياة وراحة البال، لكن السعادة الحقيقية لا ترتبط بحجمه وحده بل بكيفية استخدامه وبقدرة الإنسان على بناء علاقات، استثمار وقته، وتحقيق نمو شخصي ومعنوي يتجاوز حدود الأرصدة البنكية.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn