نُشر هذا المقال على موقع ميغافون، وفيه يعيد الكاتب طارق ابي سمرا تفكيك العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي عبر مدخل غير تقليدي: ليس بوصفه تهديدًا، بل باعتباره مرآة تكشف هشاشة أفكارنا وآليات تفكيرنا أكثر مما تكشف قدراته التقنية.
ينطلق المقال «في مديح تشات جي بي تي» من سؤال مركزي: ماذا يكشف الذكاء الاصطناعي عنّا نحن البشر؟ ومن خلال هذا السؤال، يقدّم قراءة نقدية لجذور الكتابة البشرية، ولحدود الإبداع الشخصي، ولدرجة التشابه بين إنتاج البشر وإنتاج الآلة.
يبدأ الكاتب بإشارة إلى الاعتقاد الشائع بأنّ الذكاء الاصطناعي مجرّد محاكاة، بينما البشر «يبدعون». لكنّ النص ينسف هذا الربط الساذج بين الإبداع والإنسان عبر مقارنة دقيقة بين آلية التنبؤ الإحصائي التي يعمل بها «تشات جي بي تي» وبين الطريقة التي يكرّر بها الإنسان أفكار الآخرين وصياغاتهم. رغم أنّ الذكاء الاصطناعي يشتغل عبر نماذج احتمالية مبنية على ملايين الوثائق، ورغم أنّ هذا «التكرار الذكي» لا ينطوي على معنى ذاتي، إلّا أنّه يشبه إلى حد بعيد الطريقة التي نتكلّم ونكتب بها. وهنا يظهر دور في مديح تشات جي بي تي باعتباره أداة تكشف بذكاء ما نخفيه خلف وهم الأصالة.
ينتقل المقال بعدها إلى تفكيك أربع مستويات من السلوك البشري: الآراء، الكلام، الكتابة اليومية، والكتابة الأدبية. في المستوى الأول، يشير الكاتب إلى التشابه المدهش بين آراء الناس، بحيث يمكن التنبؤ بمواقف الفرد من خلال طبقته أو طائفته أو عمره. ما نظنّه أفكارًا شخصية ليس سوى صدى لجماعة ما. في المستوى الثاني، يشدّد على أنّ اللغة اليومية مملوءة بعبارات جاهزة تنتشر مثل الموضة، ما يجعل أساليبنا أقرب إلى نسخ مكرّرة منها إلى إبداع متفرّد.
ثم يعالج المستوى الثالث، أي الكتابة الصحفية واليومية، حيث يُظهر أنّ السيل المتواصل من المقالات والمنشورات يبدو كأنه صادر عن كاتب واحد يمتلك مستودعًا ضخمًا من النصوص الجاهزة المتشابهة. وهذا يعيد القارئ إلى فكرة «التكرار»، وهي محور جوهري في في مديح تشات جي بي تي.
أمّا المستوى الرابع، الكتابة الأدبية، فيتناوله المقال بنبرة نقدية جريئة. فمع أنّ الأدب يُعامل كأرقى أشكال التعبير الإنساني، إلّا أنّ الغالبية الساحقة من الأعمال الأدبية — حتى تلك الحائزة جوائز — متشابهة في الأسلوب والحبكة والموضوع، إلى حدّ يجعلها قابلة للنسيان. ليست المشكلة في غياب القيمة، بل في أنّ البشر أنفسهم لا يكتبون «من العدم»، بل يعيدون إنتاج أنماط وقوالب راسخة.
في الخلاصة، يقدّم المقال طرحًا لافتًا: المسافة بين ما ينتجه الإنسان وما ينتجه الذكاء الاصطناعي ليست واسعة كما نحبّ أن نعتقد. وقد يكون علينا ألّا نفرّ من هذه الحقيقة، بل أن نستخدمها لفهم ذواتنا أكثر، والتساؤل عن طبيعة الإبداع ومعناه. وهكذا يتحوّل «تشات جي بي تي» من تهديد إلى فرصة للتعلّم، وإلى أداة تفكير نقدي تعرّي الوهم الإنساني أكثر مما تُقلّل من قيمته.



