لماذا نبقى في العمل الذي لا نحبه؟ تحليل نفسي واجتماعي

المقال منشور على موقع الجزيرة نت – قسم المدونات بتاريخ 16 أكتوبر 2025، بقلم قحقوحي طارق بن زياد، طالب دكتوراه في العلوم الاقتصادية بجامعة غرداية.

يتناول الكاتب في تدوينته لماذا نبقى في عمل لا نحبه رغم إدراكنا أنه لا يشبهنا ولا يضيف إلى ذواتنا سوى مزيد من الخمول، محاولاً تحليل الظاهرة من الزاويتين النفسية والاجتماعية، ومقارنتها ببيئات العمل في الدول المتقدمة.

يفتتح المقال بمشهد يومي مألوف: نستيقظ كل صباح لنمارس روتينًا مهنياً خالياً من الشغف، نبتسم كما يجب وننتظر نهاية الدوام كمن ينتظر الهواء. هنا يطرح الكاتب السؤال الجوهري: لماذا نستمر؟ أهو الخوف من المجهول؟ أم التمسك بوهم الأمان؟

يُرجع علم النفس هذا السلوك إلى ما يسمى منطقة الراحة، حيث يتجنب الإنسان المخاطرة حتى لو كانت في سبيل تحقيق ذاته. هذه المنطقة تمنحنا شعوراً زائفاً بالأمان، لكنها في الوقت نفسه تسلبنا النمو والتطور. ولأننا نكره التناقض الداخلي، نلجأ إلى ما يسميه العلماء التنافر المعرفي، فنبرر بقاءنا في وظائف لا نحبها عبر حجج واهية مثل “الراتب الشهري المنتظم” أو “الجميع متعب، وأنا مثلهم”.

لكن البقاء طويلاً عند قاعدة هرم ماسلو للحاجات الإنسانية، حيث الأمن والاستقرار المادي، يمنعنا من الصعود نحو تحقيق الذات. فحين يتحول الأمان إلى قيد، نفقد المعنى ونغرق في الروتين.

ثم ينتقل الكاتب إلى الأسباب الاجتماعية، موضحاً أن الخوف من نظرة المجتمع أقوى من الخوف من التعاسة. في ثقافتنا العربية، العمل ليس مجرد مصدر دخل، بل هو هوية اجتماعية تُعرّف الإنسان وتحدد قيمته. من يغادر وظيفته يُعتبر متهوراً أو فاشلاً، لا باحثاً عن ذاته. وهنا يستحضر الكاتب مفهوم القفص الحديدي لماكس فيبر، حيث البيروقراطيات الصارمة والأدوار المحددة تقيّد الإنسان، فيغدو الخروج من النظام عصياناً لا يُغتفر. كما يشير إلى رؤية إميل دوركايم حول “الأنومي”، أي حالة الاغتراب التي يعيشها الفرد حين يشعر بانفصال بين عمله وقيمه، فيصبح الأداء بلا معنى والإنجاز بلا هوية.

أما في الدول المتقدمة، فيختلف المشهد جذرياً. هناك يُنظر إلى تغيير العمل كحق طبيعي، بل كجزء من النمو الشخصي. بفضل سياسات المرونة الآمنة (Flexicurity) كما في النموذج الدانماركي، يمكن للعامل أن يترك عمله بسهولة دون أن يخسر الأمان الاجتماعي، إذ توفر الدولة دعماً وتدريباً وفرصاً جديدة. بينما في مجتمعاتنا، الوظيفة تُرى كنعمة نادرة يجب التشبث بها، لا كمساحة للتجربة أو الإبداع.يختم الكاتب مقاله بتأمل إنساني دافئ: البقاء في عمل لا نحبه ليس بالضرورة ضعفاً، بل ربما هو شكل من أشكال التعب والخوف من البدء من جديد في مجتمع لا يرحم السقوط. ومع ذلك، يدعونا لأن نسأل أنفسنا بصدق: هل ما نفعله اليوم يعبر فعلاً عما نريد؟ أم أننا فقط تعودنا الرضا بما هو متاح؟

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn