محو الأمية والعزوف عن القراءة… معركة بالأرقام لا بالوعي

نُشر المقال في موقع هسبريس، ويقدّم الكاتب عبد الفتاح لحجمري قراءة نقدية عميقة في واقع محو الأمية والعزوف عن القراءة في العالم العربي، ولا سيما في المغرب، من خلال تساؤلات تضع الإصبع على جرح الثقافة المعاصرة: هل يكفي أن نعرف الحروف لنصبح قرّاء؟ وهل يكفي أن نفتح كتابًا لنصبح أحرارًا في تفكيرنا؟

ينطلق المقال من تفكيك المفارقة بين ما تعلنه التقارير الرسمية من نسب نجاح في برامج محو الأمية، وبين الواقع الذي يشهد اتساع دائرة “اللاقراءة”. فالمجتمع، بحسب الكاتب، لا يعاني فقط من الجهل بالحروف، بل من الأمية الفكرية التي تُنتجها المناهج المدرسية الجافة والخطابات الرسمية التي تُقاس فيها التنمية بعدد المسجلين لا بعدد المستنيرين. يرى الكاتب أن الأمية ليست عدواً خارجياً نحاربه، بل هي “صنيعتنا الأليفة” التي نغذيها في المدارس حين نقدّم الطاعة على الفهم، ونعتبر السؤال خطراً على النظام التعليمي، فيتحول التعليم إلى تكرار بلا وعي.يُظهر المقال أن محاربة الأمية في العالم العربي صارت شكلاً من أشكال الإدارة البيروقراطية: نكتب التقارير ونقيم المؤتمرات ونعلن نسب النجاح، بينما يظلّ الجهل متجذرًا في البنية الفكرية والتعليمية. فالمشكلة ليست في عدد من لا يقرأون، بل في عدد الذين يقرؤون دون أن يفهموا، وفي أولئك الذين يملكون شهادات عليا دون أن يجرؤوا على طرح سؤال واحد. وهنا تصبح الأمية مؤسسة فكرية تعيش في قلب الجامعات كما في القرى النائية.

في القسم الثاني، يسلّط الكاتب الضوء على سؤال العزوف عن القراءة، ويصفه بأنه “مأساة ثقافية” أكثر منه ظاهرة تربوية. فنحن، كما يقول، “أمة تلتقط الصور مع الكتب”، نحضر معارض الكتاب كما نحضر المهرجانات، نلتقط الصور أمام الرفوف الأنيقة ثم نغادر مطمئنين أن القراءة ما تزال بخير، ما دامت تُعرض في الإعلام. هذه المفارقة تكشف أننا لا نقرأ لنتحرر، بل نحتفي بالقراءة بوصفها طقسًا اجتماعياً أو زينة ثقافية.يتتبع المقال جذور هذا النفور من القراءة داخل المدرسة نفسها، حيث تتحول النصوص إلى واجبات جامدة تُقدَّم بلا شغف، ويتحول المعلم إلى شارحٍ لا قارئ، فينتهي الأمر بتلميذ لا يرى في الكتاب سوى عبءٍ مدرسي، لا رفيق فكرٍ أو مصدر إلهام. في مجتمعٍ يقدّس السرعة، تصبح الجمل الطويلة استفزازًا، والفكرة العميقة ثرثرة، بينما تختزل المعرفة في “ملخّص من دقيقتين” على منصات التواصل.

وفي ختام المقال، يذهب الكاتب إلى أن الهزيمة الحقيقية ليست في الجهل بالأبجدية، بل في نسيان المعنى والسؤال والحلم. فحين تتحول القراءة إلى فعل آلي أو التزام إداري، تفقد روحها التحررية. وحده القارئ الذي يحلم ويُفكّر هو الذي يهزم الأمية بالفعل. أما من يقرأ خوفًا من الامتحان، فلن يرى في النص سوى مادة للحفظ. هكذا تختتم المقالة بحسرة مثقفة: نحن لا نقرأ لأننا لم نتعلم بعد أن نحلم.

شارك هذا المقال :
WhatsApp
Facebook
X
LinkedIn